يتمنّون الفتنة ، يزعمون ليبتليهم اللّه فيها بما ابتلى رسوله وأصحابه ، وأيم اللّه ، لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن - يردّدها ثلاثا - ولمن ابتلي وصبر [ فواها ] » « 1 » وأيم اللّه ، لا أشهد لأحد أنّه من أهل الجنة حتى أعلم ما يموت عليه ، بعد حديث سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليا » « 2 » .
وقال جبير بن نفير : جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما ، فمرّ به رجل ، فقال : طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لوددنا أنّا رأينا ما رأيت ، وشهدنا ما شهدت . فاستغضب ، فجعلت أعجب ، ما قال إلّا خيرا ! ثم أقبل عليه فقال : ما يحمل أحدكم على أن يتمنّى محضرا غيّبه اللّه عنه ، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه ، واللّه لقد حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أقوام كبّهم اللّه على مناخرهم في جهنّم ، لم يجيبوه ، ولم يصدّقوه ، أفلا تحمدون اللّه إذ أخرجكم ، ولا تعرفون إلّا ربّكم ، مصدّقين بما جاء به نبيّكم ، قد كفيتم البلاء بغيركم ؟ واللّه لقد بعث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم على أشدّ حال بعث عليها نبيّ من الأنبياء في فترة وجاهليّة ، ما يرون أنّ دينا أفضل من عبادة الأوثان ، فجاء بفرقان فرّق به بين الحقّ والباطل ، وفرّق بين الوالد وولده ، حتى إنّ الرجل ليرى والده ، أو ولده ، أو أخاه كافرا ، وقد فتح اللّه قفل قلبه للإيمان ، يعلم أنّه إن هلك دخل النار ، فلا تقرّ عينه ، وهو يعلم أنّ حبيبه في النار ، وإنّها للّتي قال اللّه عزّ وجلّ
رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
[ الفرقان : 74 ] « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4263 ) في الفتن : باب في النهي عن السعي في الفتنة ، وإسناده صحيح ، وما بين معقوفين مستدرك منه . ومعنى « فواها » : واها كلمة يقولها المتأسّف على شيء ، والمتعجب منه . انظر جامع الأصول 10 / 18 .
( 2 ) رواه أحمد في مسنده 6 / 4 ، والحاكم في مستدركه 2 / 289 .
( 3 ) أخرجه أحمد 6 / 23 ، وأبو نعيم 1 / 175 .