فمسحت به وجهه ، فأفاق ، ثم مضى حتى دخل بعض أزقّة المدينة ، ورفع رأسه إلى السماء ، ثم قال : قد علمت طول غمّي وحزني ، وتردادي في أزقّة الدنيا ، فحتى متى تحبسني أيها المحبوب ؟ ثم سقط مغشيّا عليه ، فجئت بماء فمسحت به وجهه فأفاق فما عاش بعد ذلك إلّا أيّاما حتى مات « 1 » .
وقال بعض أصحابه : دخلت عليه يوما ، وقد مدّ كفيه يبكي حتى رأيت الدموع بين أصابعه تتحدّر ، فدنوت منه لأنظر إليه ، فإذا دموعه قد خالطها صفرة ، فقلت : باللّه يا فتح بكيت الدّم ؟ فقال لولا أنك حلّفتني باللّه عزّ وجلّ ما أخبرتك ، بكيت دما . فقلت : على ما ذا بكيت الدموع ؟ وعلى ما ذا بكيت الدم ؟ فقال : بكيت الدموع على تخلّفي عن واجب حقّ اللّه عزّ وجل ، وبكيت الدم على الدموع خوفا أن يكون ما صحت لي الدموع .
قال الرجل : فرأيت فتحا بعد موته في المنام فقلت : ما صنع اللّه بك ؟
فقال : غفر لي . قلت : فما صنع في دموعك ؟ قال : قرّبني ربّي ، وقال لي :
يا فتح ، الدمع على ما ذا ؟ قلت : يا ربّ ، على تخلّفي عن واجب حقّك .
قال : فالدم لم بكيت ؟ فقلت : يا ربّ ، على دموعي خوفا على أن لا تصحّ لي « 2 » . فقال لي : يا فتح ، ما أردت بهذا كلّه ؟ وعزّتي لقد صعد إليّ حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة « 3 » .
وقال بشر : قال فتح : من أدام النظر بقلبه ورّثه ذلك الفرح بالمحبوب ، ومن آثره على هواه ورّثه ذلك حبّه إيّاه ، ومن اشتاق إليه ، وزهد فيما سواه ، ورعى حقّه ، وخافه بالغيب ورّثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم « 4 » .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 187 .
( 2 ) قال عبد اللّه بن أسعد اليافعي في « روض الرياحين » 257 : أن لا تصح لي ، معناه أن لا تقبل منّي .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 188 .
( 4 ) حلية الأولياء 8 / 293 .