خذ بأربعة دوانق خبزا جيّدا « 1 » ، وبدانقين تمرا . فقال الشيخ : قل له يكون شهريزا « 2 » . فجئته به ، فقال الشيخ : قل له يأكل معنا . فأكلت معهم ، فلمّا أكلنا أخذ ما فضل في طرف العباء ، ومضى ، فخرج خالي معه يشيّعه إلى باب حرب « 3 » فلما رجع قال لي : يا بني ، تدري من هذا ؟ قلت لا . قال :
هذا فتح الموصلي « 4 » .
وقال محمد بن الصلت : كنت عند بشر بن الحارث ، فجاء رجل فسلّم على بشر ، فقام بشر إليه ، فقمت لقيامه فمنعني ، فلما سكن الرجل أخرج بشر درهما صحيحا ، وقال : اشتر خبزا ، وزبدا ، وتمرا برنيّا « 5 » . فخرجت واشتريت وحملته فوضعته بين يديه ، فأكل الرجل وحمل الباقي ، وقام وخرج ، فلما خرج قال لي بشر : يا بنيّ ، تدري لم منعتك عن القيام له ؟
قلت : لا . قال : لأنّه لم يكن بينك وبينه معرفة ، فكان قيامك لقيامي ، وأردت أن لا يكون قيامك إلا للّه خالصا . وتدري لماذا دفعت إليك الدّرهم ، وقلت : اشتر كذا وكذا ؟ قلت : لا . قال : إنّ طيّب الطعام يستخرج خالص الشكر للّه تعالى . وتدري لم حمل الباقي ؟ قلت : لا . قال : عندهم إذا صحّ التوكّل لا يضرّ الحمل ، وهذا فتح الموصلي جاءنا زائرا « 6 » .
وقال بشر بن الحارث : بلغني أنّ بنتا لفتح الموصلي عريت ، فقيل له :
ألا تطلب من يكسوها ؟ فقال : لا ، أدعها حتى يرى اللّه عزّ وجلّ عريها ، وصبري عليها .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : « ويكون جيدا » .
( 2 ) الشهريز : نوع من التمر ، ويقال بالسين المهملة القاموس ( شهرز ، شهرز ) .
( 3 ) باب حرب : محلة كبيرة ببغداد ، سمّيت باسم حرب بن عبد اللّه الراوندي أحد قواد أبي جعفر المنصور . ( معجم البلدان ) .
( 4 ) تاريخ بغداد 12 / 382 .
( 5 ) البرني : ضرب من التمر ، أصفر مدوّر ، وهو أجود التمر . اللسان ( برن ) .
( 6 ) صفة الصفوة 4 / 185 .