فلمّا غزا ورجع إلى بسرى قال لولده : يا بنيّ ، خد السّرج عن المهر .
قلت : يا أبه ، إنّه عرق ، فإن أخذت السّرج عنه دخلته الرّيح . فقال : يا بنيّ ، إنّه « 1 » عاريّة . فأخذ السّرج عنه ، فوقع المهر في الحال ميّتا « 2 » .
وقال أبو زرعة : كان أبو عبيد البسري بعرفة ، وإلى جانبه ابنه ، فقال له : يهنيك « 3 » الفارس ، فقال : يا أبه ، وأيّ فارس ؟ فقال : ولد لك الساعة غلام . فلمّا صرنا إلى بسرى وجدت زوجتي قد ولدت غلاما يوم عرفة .
وقال عبد اللّه ، غلام أبي عبيد : كنت معه يوما بدمشق ، أنا وجماعة من إخوانه . إذ مرّ رجل على دابّة ، وخلفه غلام له يعدو ، وبيده غاشية « 4 » وقد انتهر . فلمّا حاذى أبا عبيد قال : اللهمّ أعتقني ، وأرحني منه . ثم قال :
يا شيخ ، ادع اللّه عزّ وجلّ لي . فقال أبو عبيد : اللّهمّ أعتقه من النّار ، ومن الرّق . فعثرت الدّابّة بمولاه ، فسقط إلى الأرض ، فالتفت إلى الغلام وقال له : أنت حرّ لوجه اللّه تعالى . فرمى بالغاشية إليه وقال له : يا مولاي ، أنت لم تعتقني ، ( * وإنما أعتقني * ) « 5 » هؤلاء . فصحب أصحابنا وتوفّي بينهم .
وقال ابن أبي حسّان : قال لي أبي : دخل أبو عبيد البسري إلى عكّا هو وولداه ، فأقام بها شهر رمضان . وكان ولداه كلّ ليلة يصلحان له إفطارا ، ويوجّهان به إليه مع غليم لهما أسود . فإن أتى به إليه يقول له الشيخ :
اجلس وكله ، ولا تقل لهما شيئا . ويأكل أبو عبيد تمرة واحدة ، حتى أفطر على ثلاثين تمرة في ثلاثين ليلة .
هامش
( 1 ) ليست لفظة « إنه » في ( أ ) .
( 2 ) الرسالة القشيرية : 2 / 709 - 710 ، وتاريخ ابن عساكر : 15 / 111 ب و 112 جهنىّ .
( 3 ) في تاريخ ابن عساكر : 15 / 112 جهنىّ ومختصر ابن منظور : 22 / 91 : « يهنك » .
( 4 ) الغاشية : الحديدة التي فوق مؤخرة الرّحل . وغاشية السّرج : غطاؤه . وهي أيضا ما ألبس جفن السيف من الجلود . اللسان ( غشا ) .
( 5 ) ( * - * ) ما بينهما ليس في ( أ ) .