فلمّا كان بعد ذلك قال له ولداه : سررتنا يا أبه في هذا الشهر ، فقال لهما : وكيف ذاك ؟ قالا : لأنّك تأكل ما نوجّه به إليك . فقال لهما : قد كان ما كان . فلمّا سمعا منه ذلك سألا الغلام فقال : أنا كنت آكله « 1 » .
وروي أنّه كان إذا استهلّ شهر رمضان ، يدخل بيتا من داره ، ويقول لزوجته : طيّني عليّ الباب ، وألقي إليّ كلّ ليلة من الكوّة « 2 » رغيفا . فإذا كان يوم العيد ، فتحت الباب ، ودخلت البيت ، فتجد الثلاثين رغيفا في زاوية البيت ، فلا أكل ولا شرب ولا نام « 3 » ، وما فاتته ركعة من الصلاة .
وقال ابن أبي حسّان عن أبيه : قال لي أخي ، أبو عبيد البسري يوما :
يا أبا حسّان ، ما أسفي إلّا أن يجعلني ممّن عفا عنه ! فقلت له : يا أخي ، الخلق على العفو تذابحوا . فقال : أجل ، ولكن أيّ شيء أقبح بشيخ مثلي يوقف غدا بين يدي اللّه عزّ وجلّ فيقال له : شيخ سوء كنت ، اذهب فقد عفوت عنك ! أنا أملي في اللّه أن يهب لي كلّ من أحبّني .
وقال : ذكر اللّه عزّ وجلّ بالقلب وحده صدق ، وذكره بالقلب واللسان إخلاص ، وذكره باللّسان وحده رياء .
وقال : إنّ ابنا له جاءه فقال : يا أبه ، إنّي خرجت بجرار فيها سمن ، فوقعت منّي وانكسرت ، وذهب رأس مالي . فقال له : يا بنيّ ، اجعل رأس مالك مال أبيك ؛ فو اللّه ما لأبيك رأس مال في الدّنيا والآخرة غير اللّه عزّ وجلّ « 4 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر : 15 / 110 ب .
( 2 ) الكوّة : الخرق في الحائط ، والثّقب في البيت ونحوه . اللسان ( كوي ) .
( 3 ) في ( ب ) : « فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام » . والمثبت من ( أ ) والرسالة القشيرية :
2 / 681 وتاريخ ابن عساكر : 15 / 110 أ .
( 4 ) تاريخ ابن عساكر : 15 / 112 ب ، وطبقات الأولياء : 364 .