قال : وسمعته يقول : أحبّ الناس إليّ ، من ترك السّلام عليّ ، لأنّه يشغلني بسلامه عن الذّكر « 1 » .
وقال محمد بن عبد العزيز العبّاسي : مضيت يوما في صحبة خالي إلى عثمان بن عيسى الباقلّاوي ، فتلقّيناه خارجا من المسجد إلى داره وهو يسبّح ، فقال له خالي : ادع لي . فقال : يا أبا عبد اللّه ، شغلتني ، انظر ما تظنّه فيّ فافعله ، وادع أنت لي . فقلت له أنا : باللّه ادع لي . فقال لي : رفق اللّه بك . فاستزدته ، فقال : الزّمان يذهب ، والصحائف تختم « 2 » .
وقال أبو الحسين ، محمد بن عليّ بن المهتدي : هذا الذي أنا فيه من بركة عثمان الباقلّاوي ، وذلك أنّي كنت أصلّي به ، فكان إذا خلا بي مسح صدري ، ودعا لي ، فأنا أعتقد أنّ الذي أنا فيه من بركة دعائه ، وكنت أصلّي به شهر رمضان ، فقرأت ليلة سورة الحاقّة ، حتى أتيت إلى هذه الآية :
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
[ الحاقة : 15 ] ، فصاح وسقط مغشيّا عليه . فما بقي في المسجد أحد إلّا انتحب « 3 » .
وكان عثمان يتعمّم بشاروفة ، وكان يأكل من كسب البواري « 4 » . وكان قد سأله السعيد التّركيّ أن يصله بشيء ، فأبى ، فقال له : إذا أبيت فتأذن لنا أن نشتري دهنا نشعله في المسجد ، فأجاب إلى ذلك ، فلما عاد الرّسول على أن يحمل إليه دهنا قال له : لا تجئني بشيء آخر ، فقد أظلم عليّ البيت . وكان مأواه المسجد لا يخرج منه إلّا إلى الجمعة « 5 » .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد : 11 / 313 ، وصفة الصفوة : 3 / 375 .
( 2 ) صفة الصفوة 2 / 483 .
( 3 ) صفة الصفوة : 2 / 483 .
( 4 ) البواري : جمع بوريّة وباريّة ، وهو الحصير المنسوج . القاموس المحيط ( بور ) .
وفي صفة الصفوة : 2 / 484 : « البوازي » .
( 5 ) صفة الصفوة 2 / 483 - 484 .