النّهار ، وملّ وكلّ قال للناس : مكانكم حتى أنصرف إليكم . فدخل ليستريح ساعة ، فجاء ابنه عبد الملك فسأل عنه ، قالوا : دخل . فاستأذن عليه ، فأذن له . فلمّا دخل قال : يا أمير المؤمنين ، ما أدخلك ؟ قال : أردت أن أستريح ساعة . قال : أو أمنت الموت أن يأتيك ورعيّتك على بابك ينتظرونك ، وأنت محتجب عنهم ؟ فقام عمر من ساعته وخرج إلى الناس « 1 » .
وقال ابن أبي الدّنيا بإسناده قال : دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه فقال : يا بني ، كيف تجدك ؟ قال : أجدني في الحقّ . قال : يا بنيّ ، لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك . قال ابنه : وأنا يا أبه ، لأن يكون ما تحبّ أحبّ إليّ من أن يكون ما أحبّ « 2 » .
وقال زياد بن أبي حسّان : إنّه شهد عمر بن عبد العزيز حيث دفن ابنه عبد الملك . لمّا دفنه وسوّى عليه قبره بالأرض ، وضعوا عنده خشبتين من زيتون ، إحداهما عند رأسه ، والأخرى عند رجليه ، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة ، فاستوى قائما ، وأحاط به الناس ، فقال : رحمك اللّه يا بنيّ ، لقد كنت بارّا بأبيك . واللّه ما زلت مذ وهبك اللّه لي مسرورا بك ، ولا واللّه ما كنت قطّ أشدّ بك سرورا ، ولا أرجى لحظّي من اللّه فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيّرك اللّه إليه . فغفر لك ورحمك ، وجزاك بأحسن عملك ، ورحم اللّه كلّ شافع يشفع لك بخير ، من شاهد أو غائب . رضينا بقضاء اللّه ، وسلّمنا لأمره ، والحمد للّه ربّ العالمين . ثم انصرف « 3 » .
وكان عمره حين مات سبع عشرة سنة « 4 » .
هامش
( 1 ) الحلية 5 / 358 - 359 .
( 2 ) عيون الأخبار 2 / 312 ، وتاريخ ابن عساكر 43 / 181 ، والكامل في التاريخ 5 / 65 .
( 3 ) الحلية 5 / 356 - 357 ، وتاريخ ابن عساكر 43 / 182 - 183 .
( 4 ) الكامل في التاريخ 5 / 65 . وفي تاريخ بن عساكر 43 / 183 : « كان ابن تسع -