مهران يريد الدّخول ، فإن أذن لي دخلت ، وإن لم يأذن انصرفت . فقام على الباب فقال : هذا ميمون بن مهران يريد الدخول . فسمعته يقول : ادخل .
فدخلت ، فإذا خوان بين يديه عليه ثلث قرصة « 1 » ، وقصعة فيها شيء من ثريد .
فقال : ادن فاطعم . فما منعني من الأكل معه إلّا الإبقاء « 2 » عليه ، فاعتللت له بشيء . فلمّا فرغ ، رفع طنفسة تحته ، فتناول من تحتها فلوسا ، ثم دعا غلامه فقال : اذهب فجئنا بعنب ، فجاء بشيء صالح ، فألقاه على الخوان ، والعنب يومئذ رخيص ، لأنّ عمر منعهم العصير ، فقال : إن كان إنّما منعك من الأكل معنا الإبقاء علينا ، فكل من هذا فإنّه رخيص . قلت : من أين معاشك ؟ قال :
أرض لي أستدين عليها ، فإذا أتى عليّ رقبتها « 3 » بعت فقضيت . قلت : فلعلّك تستدين من رجل يشقّ عليه حبسك ، وهو يحتمل ذلك لك لمكانك من أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، إنّما هي دراهم لصاحبتي « 4 » نستقرضها منها ، فإذا أتى عليّ ثمر الأرض بعته فقضيتها . قلت : أفلا أكلّم لك أمير المؤمنين يجري عليك رزقا يسعك ويسع أهلك ؟ قال : وترى ذاك ؟ قلت : نعم . قال : لكنّي واللّه ما أراه ؛ واللّه ما يسرّني أنّ أمير المؤمنين أجرى عليّ شيئا من صلب ماله ، خاصّة لي دون إخوتي الصّغار ، فكيف يجري عليّ من فيء المسلمين « 5 » ؟ .
وقال سليمان بن حبيب المحاربي : كنت قاعدا على باب عمر بن عبد العزيز ، وعبد الملك بن عمر جالس معي ، فقلت له : هل خصّك أمير المؤمنين أو جعل لك فرّاشين أو مطبخا ، أو أفردك بشيء من المال أو
هامش
( 1 ) في تاريخ ابن عساكر 43 / 173 : « ثلاثة قرصة » . والقرصة والقرص : القطعة من الخبز . اللسان ( قرص ) .
( 2 ) في ( أ ) : « إلّا اتقاء » وفي تاريخ ابن عساكر : « إلا بقاء » .
( 3 ) في ( ب ) : « رقيبها » والمثبت من ( أ ) وابن عساكر . والرّقبة : جمع رقيب ، وهو الحارس .
( 4 ) أي : لزوجتي .
( 5 ) تاريخ ابن عساكر 43 / 173 .