تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
صبرت ولم أطلع هواك على صبري * وأخفيت قلبي عنك من موضع الصّبر مخافة أن يشكو ضميري صبابتي * إلى دمعتي سرّا فتجري ولا أدري
وقال : حججت كذا وكذا حجّة على التّجريد « 1 » ، فبان لي أنّ جميع ذلك كان مشوبا بحظّي ، وذلك أنّ والدتي سألتني يوما أن أستقي لها جرّة ماء ، فثقل ذلك على نفسي ، فعلمت أنّ مطاوعة نفسي في الحجّات كانت لحظّها وشرفها ، إذ لو كانت فانية لم يصعب عليها ما هو حقّ في الشّرع . وقال بعض الفقراء : كنت ببغداد ، فوقع لي أنّ المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهما ، لأشتري بها الرّكوة والحبل والنّعل ، وأدخل البادية . قال : فدقّ عليّ الباب ، ففتحت ، فإذا بالمرتعش ومعه خريقة فقال : خذها ، فقلت : يا سيّدي لا أريدها . فقال : لم تؤذينا ؟ كم أردت ؟ قلت : خمسة عشر درهما . قال : هي خمسة عشر درهما . وقال أبو عبد اللّه الرازي : حضرت وفاة أبي محمد المرتعش في مسجد الشّونيزيّة « 2 » سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة فقال : انظروا ديوني . فنظروا فقالوا : بضعة عشر درهما . فقال : انظروا خريقاتي . فلمّا قرّبت منه قال : اجعلوها في ديوني ، وأرجو أنّ اللّه يعطيني الكفن . ثم قال : سألت اللّه ثلاثا عند موتي فأعطانيها : سألته أن يميتني على الفقر رأسا برأس ؛ وسألته أن يجعل موتي في هذا المسجد ، فقد صحبت فيه أقواما ؛ وسألته أن يكون حولي من آنس به وأحبّه . وغمّض عينيه ومات بعد ساعة « 3 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . آمين .
هامش
( 1 ) التجريد : خلوّ قلب العبد وسرّه عمّا سوى اللّه ، وهو أن لا يأخذ من عرض الدنيا شيئا . معجم مصطلحات الصوفية د . الحفني . ( 2 ) الشّونيزيّة : مقبرة ببغداد بالجانب الغربي ، دفن فيها جماعة كثيرة من الصالحين . معجم البلدان ( الشونيزية ) . ( 3 ) تاريخ بغداد 7 / 221 - 222 ، وأنساب السمعاني 11 / 238 ، وشذرات الذهب 2 / 317 - 318 .