لا يأنف من هذا ! ولم أردّ عليه جوابا . فصاح في وجهي صيحة أفزعتني ، وجدت من قوله رعبا شديدا ، ثم قال لي : أعوذ باللّه ممّا خامر سرّك ، واختلج به صدرك ! فغشي عليّ ، وسقطت على وجهي . فخرج خادم لنا فرآني على تلك الحال ، فرفع رأسي من الأرض ، وجعله في حجره ، واجتمع حولي خلق كثير . فما أفقت إلّا بعد حين ، وقد ذهب الشابّ فليس أراه . فتحسّرت عليه ، وندمت على ما كان منّي ، فبتّ ليلتي مغموما ، فرأيت عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه في منامي ، ومعه ذلك الشابّ ، وعليّ يشير إليّ ويؤنّبني ويقول : إنّ اللّه تعالى لا يجيب سؤال مانع سائله . فانتبهت ، وفرّقت جميع ما كان لي ، وخرجت إلى السّفر ، فسمعت بوفاة والدي بعد خمس عشرة سنة ، فرجعت وسألت اللّه تعالى العون على خلاصي ممّا ورثت ، فأعان اللّه سبحانه ، فكأنّ الشابّ معي ، ما فارقني الحياء منه ، ولا يفارقني حتى ألقى اللّه عزّ وجلّ « 1 » .
وقال أبو عبد اللّه الرّازيّ : كان مشايخ العراق يقولون : عجائب بغداد في التّصوّف ثلاث : إشارات الشّبليّ ؛ ونكت المرتعش ؛ وحكايات جعفر الخلديّ « 2 » .
وقال أبو الفرج الصائغ : قال المرتعش : من ظنّ أنّ أفعاله تنجيه من النّار ، أو تبلّغه الرّضوان ، فقد جعل لنفسه ولفعله خطرا ، ومن اعتمد على فضل اللّه ، بلّغه اللّه أقصى منازل الرّضوان « 3 » .
وقيل له : إنّ فلانا يمشي على الماء ! فقال : إنّ من مكّنه اللّه من مخالفة هواه هو أعظم من المشي على الهواء والماء « 4 » .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 7 / 221 ، وأنساب السمعاني 11 / 237 - 238 .
( 2 ) طبقات الصوفية 349 ، والسير 15 / 230 .
( 3 ) طبقات الصوفية 352 - 353 ، والمنتظم 6 / 301 .
( 4 ) طبقات الصوفية 351 - 352 ، والرسالة القشيرية 1 / 161 .