وأكرم به عرضي ، وأستعين به على طاعة ربّي . ولا أرى للّه حقّا إلّا سارعت إليه حتى أقوم به . فقال له الفضيل : يا ابن المبارك ، ما أحسن ذا إن تمّ ذا « 1 » .
وقال أبو حاتم الرّازيّ : سمعت عبدة بن سليمان المروزيّ يقول : كنّا في سريّة مع عبد اللّه بن المبارك في بلاد الروم ، فصادفنا العدوّ ؛ فلمّا التقى الصفّان ، خرج رجل من العدوّ ، فدعا إلى البراز ، فخرج إليه رجل فقتله ، ثم آخر فقتله ، ثم آخر فقتله . ثم دعا إلى البراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة ، فطعنه فقتله . فازدحم إليه الناس ، فكنت فيمن ازدحم إليه ، وهو يلثم وجهه بكمّه ، فأخذت بطرف كمّه فمددته ، فإذا هو عبد اللّه بن المبارك ، فقال : وأنت يا أبا عمرو ممّن يشنّع علينا « 2 » ؟ ! .
وقال عبد اللّه بن سنان : كنت مع ابن المبارك ، والمعتمر بن سليمان بطرسوس ، فصاح الناس : النّفير ، النّفير ! فخرج ابن المبارك والمعتمر ، وخرج الناس . فلما اصطفّ المسلمون والعدو ، خرج رجل من القوم يطلب البراز . فخرج إليه مسلم ، فشدّ العلج على المسلم فقتله ، حتى قتل ستّة من المسلمين مبارزة ، وجعل يتبختر بين الصّفّين ، ويطلب المبارزة ، فلا يخرج إليه أحد . فالتفت إليّ ابن المبارك فقال : يا عبد اللّه ، إن حدث بي حدث الموت فافعل كذا ، وحرّك دابّته ، وخرج إلى العلج ، فعالج معه ساعة ، فقتل العلج ، وطلب المبارزة ، فخرج إليه علج آخر فقتله ، حتى قتل ستّة من العلوج مبارزة ، وطلب البراز ، فكأنّهم كاعوا عنه « 3 » ، فضرب دابّته ، ونظر بين الصّفّين وغاب ، فلم أشعر إلّا وابن المبارك في الموضع الذي كان فيه ، فقال لي : يا عبد اللّه ، لئن حدّثت بهذا أحدا وأنا حيّ ، فذكر كلمة .
قال : فما حدّثت به أحدا وهو حيّ « 4 »
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 10 / 160 ، وتاريخ ابن عساكر 38 / 361 .
( 2 ) تاريخ بغداد 10 / 167 ، وتاريخ ابن عساكر 38 / 353 ، وصفة الصفوة 4 / 144 .
( 3 ) كاعوا عنه : جبنوا ، وكعت عن الشيء : إذا هبته وجبنت عنه . اللسان ( كوع ) .
( 4 ) تاريخ ابن عساكر 38 / 354 ، والسير 8 / 361 .