تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
وقال محمد بن عيسى : كان عبد اللّه بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس « 1 » ، وكان ينزل الرقّة في خان ، وكان شابّ يختلف إليه ، ويقوم بحوائجه ، ويسمع منه الحديث . فقدم عبد اللّه الرقّة مرّة ، فلم ير ذلك الشابّ ، وكان مستعجلا ، فخرج في النّفير . فلمّا قفل من غزوته ، ورجع إلى الرقّة ، سأل عن الشابّ فقالوا : إنّه محبوس لدين ركبه . فقال : وكم مبلغ دينه ؟ قالوا : عشرة آلاف درهم . فلم يزل يستقصي حتى دلّ على صاحب المال ، فدعا به ليلا ، ووزن له عشرة آلاف درهم ، وحلّفه أن لا يخبر أحدا ما دام عبد اللّه حيّا ، وقال : إذا أصبحت فأخرج الرّجل من الحبس . وأدلج « 2 » عبد اللّه ، وأخرج الرجل من الحبس ، فقيل له : عبد اللّه بن المبارك كان ههنا ، وكان يذكرك ، وقد خرج . فخرج الفتى في إثره ، فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقّة ، فقال : يا فتى ، أين كنت لم أرك في الخان ؟ قال : كنت محبوسا بدين . قال : فكيف كان سبب خلاصك ؟ قال : جاء رجل فقضى ديني ، ولم أعلم حتى أخرجت من الحبس . فقال عبد اللّه : احمد اللّه على ما وفّق لك من قضاء دينك . فلم يخبر ذلك الرجل أحدا إلّا بعد موت عبد اللّه « 3 » . وقال عليّ بن الفضيل : سمعت أبي وهو يقول لابن المبارك : أنت تأمر بالزّهد والتقلّل والبلغة ، ونراك تأتي بالبضائع من خراسان إلى البلد الحرام ! فكيف ذا ؟ فقال ابن المبارك : يا أبا عليّ ، إنّما أفعل ذا لأصون به وجهي ،
هامش
( 1 ) طرسوس - بفتح أوله وثانيه : مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم . معجم البلدان 4 / 28 ( طرسوس ) . ( 2 ) أدلج بالتخفيف : إذا سار من أول الليل ، وادّلج بالتشديد : إذا سار من آخره . النهاية : ( دلج ) . ( 3 ) تاريخ بغداد 10 / 159 وتاريخ ابن عساكر : 38 / 360 ، وصفة الصفوة 4 / 141 - 142 .