الدار نحو خمسين ذراعا في خمسين ذراعا . فكنت لا تحبّ أن ترى في داره صاحب علم أو صاحب عبادة ، أو رجلا له مروءة وقدر بمرو إلّا ورأيته في داره . يجتمعون في كلّ يوم حلقا يتذاكرون ، حتى إذا خرج ابن المبارك انضمّوا إليه .
فلمّا صار ابن المبارك بالكوفة نزل في دار صغيرة . وكان يخرج إلى الصلاة ، ثم يرجع إلى منزله لا يكاد يخرج منه ، ولا يأتيه كثير أحد « 1 » .
فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ، ألا تستوحش ههنا مع الذي كنت فيه بمرو ؟
فقال : إنما فررت من مرو من الذي تراك تحبّه ، وأحببت ما ههنا للذي أراك تكرهه لي ؛ كنت بمرو ولا يكون أمر إلّا أتوني فيه ، ولا مسألة إلّا قالوا :
سلوا ابن المبارك ، وأنا ههنا في عافية من ذلك « 2 » .
قال : وكنت مع ابن المبارك يوما فأتينا على سقاية والناس يشربون منها ، فدنا ليشرب ، ولم يعرفه الناس ، فزحموه ودفعوه ؛ فلمّا خرج قال لي : ما العيش إلّا هكذا - يعني حيث لم يعرف ولم يوقّر « 3 » .
قال : وبينا هو بالكوفة يقرأ عليه « 4 » كتاب المناسك ، انتهى إلى حديث وفيه : قال عبد اللّه بن المبارك : وبه نأخذ . فقال : من كتب هذا من قولي ؟
قلت : الكاتب الذي كتبه . فلم يزل يحكّه بيده حتى درس ، ثم قال : ومن أنا حتى يكتب قولي ؟ .
وقال عبيد بن جنّاد : قال لي عطاء بن مسلم : يا عبيد ، رأيت عبد اللّه بن المبارك ؟ قلت : نعم . قال : ما رأيت مثله ، ولا ترى مثله « 5 » .
هامش
( 1 ) كذا في ( أ ، ب ) وصفة الصفوة : 4 / 135 .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 134 - 135 .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 135 .
( 4 ) في ( أ ) و ( ب ) : « يقرأ عليّ » ، والمثبت من صفة الصفوة 4 / 135 .
( 5 ) الحلية 8 / 162 .