جالس على منبر دمشق فقال : يا معاوية ! إنّما أنت قبر من القبور ، إن جئت بشيء كان لك شيء ، وإن لم تجيء بشيء فلا شيء لك . يا معاوية ! لا تحسبنّ الخلافة جمع المال وتفرقته ، ولكنّ الخلافة العمل بالحقّ ، والقول بالمعدلة ، وأخذ الناس في ذات اللّه عزّ وجلّ ؛ يا معاوية ! إنّا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفت « 1 » لنا رأس عيننا ، وإنّك رأس عيننا ؛ يا معاوية ! إيّاك أن تحيف على قبيلة من قبائل العرب ، فيذهب حيفك بعدلك « 2 » .
وقال شرحبيل : كان أبو مسلم إذا وقف على خربة قال : يا خربة ! أين أهلك ؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم ، انقطعت الشّهوة وبقيت الخطيئة . ابن آدم ! ترك الخطيئة أهون من طلب التّوبة « 3 » .
وقال عثمان بن عطاء عن أبيه ، قال : قالت امرأة أبي مسلم : يا أبا مسلم ، ليس لنا دقيق . قال : عندك شيء ؟ قالت : درهم بعنا به غزلا . قال :
ابغنيه ، وهاتي « 4 » الجراب ، فدخل السوق ، فوقف على رجل يبيع الطعام ، فوقف عليه سائل فقال : يا أبا مسلم ، تصدّق عليّ . فهرب منه ، فأتى حانوتا آخر ، وتبعه السائل فقال : تصدّق عليّ . فلمّا أضجره ، أعطاه الدرهم ، ثم عمد إلى الجراب فملأه من نحاتة النجّارين مع التراب ، ثم أقبل إلى باب منزله ، فنقر الباب ، وقلبه مرعوب من امرأته ، فلما فتحت الباب رمى بالجراب وذهب ، فلمّا فتحته إذا هي بدقيق حوّارى « 5 » ، فعجنت وخبزت .
فلمّا ذهب من الليل الهويّ « 6 » جاء أبو مسلم فنقر الباب ، فلمّا دخل وضعت
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « صفا » .
( 2 ) في ( ب ) : « بعد ذلك » وهو تحريف . والخبر في الحلية 2 / 126 ، وتاريخ ابن عساكر 515 - 516 .
( 3 ) الحلية 2 / 126 .
( 4 ) في ( أ ، ب ) : « هات » .
( 5 ) الحوّارى : الدّقيق الأبيض ، وهو أجود الدقيق . اللسان : ( حور ) .
( 6 ) الهويّ بالفتح : الحين الطويل من الزمان . وقيل : هو مختصّ بالليل . النهاية ( هوا ) .