المبين .
يا أمير المؤمنين ، إنّ الذي يليّن قلوب أمّتكم لكم حين ولّاكم أمورهم لقرابتكم من نبيّكم ، فقد كان بهم رؤوفا رحيما ، مواسيا لهم بنفسه في ذات يده .
يا أمير المؤمنين ، قد كنت في شغل شاغل من خاصّة نفسك عن عامّة الناس الذين أصبحت تملكهم أحمرهم وأسودهم ، ومسلمهم وكافرهم ، وكلّ له عليك نصيبه من العدل ، فكيف إذا اتّبعك منهم فئام وراءهم فئام ليس فيهم أحد إلّا وهو يشكو بليّة أدخلتها عليه ، أو ظلامة سقتها إليه ؟
يا أمير المؤمنين ، حدّثني مكحول عن عروة بن رويم قال : كانت بيد النبيّ صلّى الله عليه وسلم جريدة يستاك « 1 » بها ، ويروّع بها المنافقين ، فأتاه جبريل عليه السلام فقال له : يا محمد ! ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرون أمّتك ، وملأت قلوبهم رعبا ؟ فكيف بمن شقّق أبشارهم ، وسفك دماءهم ، وخرّب ديارهم ، وأجلاهم عن بلادهم ، وغيّبهم الخوف منه ؟ ! .
يا أمير المؤمنين ، حدّثني مكحول عن زياد عن حبيب بن مسلمة : أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدش بها أعرابيّا لم يتعمّده ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد ، إنّ اللّه لم يبعثك جبّارا ولا متكبّرا .
فدعا النبيّ صلّى الله عليه وسلم الأعرابيّ فقال : « اقتصّ منّي » فقال الأعرابي : قد أحللتك - بأبي أنت وأمّي - ما كنت لأفعل ذلك أبدا ، ولو أتيت على نفسي « 2 » . فدعا له بخير « 3 »
يا أمير المؤمنين ، رض نفسك لنفسك ، وخذ لها الأمان من ربّك ،
هامش
( 1 ) في ( أ ، ب ) : « يتسلك » والمثبت من الحلية 6 / 137 ، وتاريخ ابن عساكر 41 / 206 .
( 2 ) في ( ب ) : « ولو أبت عليّ نفسي » وفي ( أ ) : « ولو أنت » .
( 3 ) رواه الحاكم في المستدرك 4 / 331 ، وأبو نعيم في الحلية 6 / 137 ، وابن عساكر في تاريخه 41 / 206 ، وذكره الهندي في الكنز برقم 40217 .