وقال : إنّ في الجنّة قيعانا « 1 » ، فإذا أخذ الذاكر في الذّكر أخذت الملائكة في غرس الأشجار ، فربّما يقف بعض الملائكة فيقال له : لم وقفت ؟ فيقول : إنّ صاحبي فتر « 2 » .
وقال : الناس في الدنيا رجلان : رجل أحبّ اللّه عزّ وجلّ ، فأحبّ الموت شوقا إلى لقاء ربّه ؛ ورجل أحبّ البقاء لإقامة حقّ اللّه تعالى . فوثب إليه غلام لم يحتلم ، فقال : ورجل ثالث قال : ومن هو ؟ قال : من لا يختار هذا ولا هذا ، بل اختار ما اختار اللّه له .
فقال أبو سليمان : احتفظوا بالغلام فإنّه صدّيق « 3 » .
وقال أحمد : رأيت أبا سليمان يلقم العوام الزّبد والعسل ، وكنت أتيته بالزّبد والعسل إلى منزله مرّتين ، فلم يذقه ، فقلت له : تطعمنا ولا تأكل منه ؟ ! فقال : إنّي أعرف منكم أنّكم تشتهونه ، فأنا أحبّ « 4 » أن أطعمكم شهوتكم ، والزّبد والعسل إسراف ، وأنا أخافه ، ولو جاءني من يعرف « 5 » ما زدته على الملح مع الخبز .
ثم إنّي بتّ أنا وهو عند أحمد بن سباع ، فجاءه بسكرّجة فيها زبد وعسل ورغيف « 6 » درمك « 7 » ، فجعل يأكل . فقلت : أتأكل هذا ، وفي بيتك مثله لم لا تأكله ؟ فقال : يا أحمد ، من أكل ليسرّ أخاه لم يضرّه أكله . إنّ عامل اللّه لا يخيب على كلّ حال . وإنما يضرّه إذا أكل بشهوة نفسه « 8 » .
هامش
( 1 ) القيعان : جمع قاع وهو : المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض . النهاية ( قيع ) .
( 2 ) الحلية 9 / 276 ، ومناقب الأبرار الورقة 67 / أ .
( 3 ) مناقب الأبرار الورقة 67 / أ .
( 4 ) في ( ب ) : « فلا أحب » .
( 5 ) في ( ب ) : « من نعرف » .
( 6 ) في ( أ ) : « ورغف » .
( 7 ) الدّرمك : الدّقيق الحوّارى . النهاية ( درمك ) . والحوّارى : الأبيض .
( 8 ) مناقب الأبرار الورقة 67 / أ ، ب ، وبعض الخبر في الحلية 9 / 265 .