تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وقال أحمد : دخلت يوما على أبي سليمان وهو يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : يا أحمد ، ولم لا أبكي ؟ إذا جنّ الليل ، ونامت العيون ، وخلا كلّ حبيب بحبيبه ، افترش أهل المحبّة أقدامهم ، وجرت دموعهم على خدودهم ، وقطرت في محاريبهم ، أشرف الجليل سبحانه فنادى يا جبريل ، بعيني من تلذّذ بكلامي ، واستراح إلى ذكري ، وإنّي لمطّلع عليهم في خلواتهم ، أسمع أنينهم ، وأرى بكاءهم ، فلم لا تنادي فيهم - يا جبريل - ما هذا البكاء ؟ هل رأيت حبيبا يعذّب أحبّاءه ؟ أم كيف يجمل بي أن آخذ قوما « 1 » إذا جنّهم الليل تملّقوا لي ؟ فبي حلفت إذا وردوا عليّ القيامة ، لأكشفنّ لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إليّ وانظر إليهم « 2 » . وقال : اختلف أهل العراق في الزّهد ؛ فمنهم من قال : الزّهد في ترك لقاء الناس ؛ ومنهم من قال : في ترك الشهوات ؛ ومنهم من قال : في ترك الشّبع . فكلام بعضهم يقرب من البعض ، وأنا أذهب إلى أنّ الزّهد في ترك ما يشغلك « 3 » عن اللّه تعالى « 4 » . وقال : إنّي لآكل الشّهد أنفة من غير حلّها ، فأجد على قلبي رانها من جمعة إلى جمعة . ورأى أبو سليمان رجلا من الصالحين بمكة ، لا يتناول شيئا إلّا شربة من ماء زمزم ، وبقي على ذلك أيّاما ، فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم ؟ ما ذا كنت تشرب ؟ فقام إليه فقبّل رأسه وقال : جزاك اللّه خيرا ، أرشدتني ، فإنّي كنت أعبد زمزم منذ أيام ولا أعلم . ثم مضى « 5 » .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « أقواما » . ( 2 ) الرسالة القشيرية 1 / 97 - 98 ، ومناقب الأبرار الورقة 63 / أو 64 / ب ، وتاريخ ابن عساكر 9 / الورقة 415 / أ . ( 3 ) في ( ب ) : « الزهد في كلّ ما يشغلك . . . » بإسقاط لفظ « ترك » . ( 4 ) الحلية 9 / 258 ، ومناقب الأبرار الورقة 66 / أ . ( 5 ) مناقب الأبرار الورقة 66 / ب .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 383 | مجد الدين ابن الأثير