وكان عامر يغدو فيقعد على قارعة الطريق الأعظم ، والناس منصرفون في حوائجهم ، فإذا رآهم ذاهبين يمينا وشمالا قال : يا رب غدا الغادون في حوائجهم ، وغدوت إليك أسألك المغفرة « 1 » .
وقال أبو حمزة : قال عامر « 2 » : إلهي خلقتني ولم تؤامرني ، وتميتني ولا « 3 » تعلمني ، وخلقت معي عدوّا ، وجعلته يجري منّي مجرى الدم ، وجعلته يراني ولا أراه ، ثم قلت لي : استمسك ؛ إلهي ! كيف أستمسك إن لم تمسكني ؟ إلهي في الدنيا الهموم والأحزان ، وفي الآخرة العقاب والحساب ، فأين الراحة والفرح « 4 » ؟ .
وكان يقول : لذّات الدنيا أربع : المال والنّساء والنّوم والطعام . فأمّا المال والنساء فلا حاجة لي فيهما ؛ وأمّا النّوم والطعام فلا بدّ لي منهما ، فو اللّه لأضرّنّ بهما جهدي .
وقد كان يبيت قائما ، ويظلّ صائما « 5 » .
وقيل له : إنّ الجنّة تدرك بدون ما تصنع ، وإن النار تتّقى بدون ما تصنع « * - * » . فيقول : لا ، حتى ألوم نفسي ، فإن نجوت ، فبرحمة اللّه ، وإن دخلت النار ، فلبعد جهدي « 7 » .
وكان يقول : ما أبكي على دنياكم رغبة فيها ، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر ، وقيام ليل الشتاء « 8 » .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر 364 .
( 2 ) في ( أ ) : « أبو عامر » .
( 3 ) في ( ب ) : « ولم » .
( 4 ) الحلية 2 / 87 - 88 ، وتاريخ ابن عساكر 364 وفيه : « الفرج » بدل « الفرح » .
( 5 ) طبقات ابن سعد 7 / 112 وفيه « لأضرب بهما جهدي » والحلية 2 / 88 و 91 .
( * - * ) ما بينهما ليس في ( أ ) .
( 7 ) الحلية 2 / 88 ، وتاريخ ابن عساكر 355 . وفيه : « إن استطعت أن لا أدخل النار إلا بعد جهدي » .
( 8 ) طبقات ابن سعد 7 / 111 ، والزهد لابن حنبل 225 .