تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وقال ابن أبي ملكية : صحبت ابن عبّاس من مكّة إلى المدينة ، ومن المدينة إلى مكّة ، فكان يصلّي ركعتين ، فإذا نزل قام شطر اللّيل ، ويرتّل القرآن يقرأ حرفا حرفا ، ويكثر في ذلك من النّشيج والنّحيب ويقرأ :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ ق : 19 ] « 1 » . وقال شعيب بن درهم : كان هذا المكان - وأومأ إلى مجرى الدّموع من خدّيه - من خدّي ابن عبّاس مثل الشّراك البالي من كثرة البكاء « 2 » . وقال سعيد بن أبي سعيد : كنت عند ابن عبّاس فجاءه رجل فقال : يا ابن عبّاس كيف صومك ؟ قال : أصوم الاثنين والخميس . قال : ولم ؟ قال : لأنّ الأعمال ترفع فيهما ، فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم « 3 » . وقال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فقال بعضهم : لم يدخل هذا الفتى معنا ، ولنا أبناء مثله ؟ فقال : إنّه ممّن قد علمتم ، ثم دعاهم ذات يوم ودعاني معهم ، وما رأيته دعاني يومئذ إلّا ليريهم منّي ، فقال : ما تقولون في قوله تعالى :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
[ النصر : 1 ] حتى ختم السّورة ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره إذ جاء نصرنا وفتح علينا . وقال بعضهم : لا ندري ، ولم يقل شيئا . فقال لي : يا ابن عبّاس ، أكذلك تقول ؟ قلت : لا . قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم أعلمه
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
فتح مكّة ، فذلك علامة أجلك
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
[ النصر : 3 ] قال عمر : ما أعلم منها إلّا ما تعلم « 4 » .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية 8 / 303 . ( 2 ) الحلية 1 / 329 ، ومختصر ابن منظور 12 / 314 . ( 3 ) مختصر ابن منظور 12 / 314 ، والسير 3 / 352 . وهذا مأخوذ من حديث النبي صلّى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي ( 747 ) في الصوم ، باب ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس . ( 4 ) الحلية 1 / 317 .