وقال : دخلت المقابر يوما في شدّة الحرّ ، فنظرت إلى القبور خامدة كأنّها « 1 » قوم صموت ، فقلت : سبحان من يجمع بين أرواحكم وأجسامكم بعد افتراقها ، ثم يحييكم وينشركم بعد طول البلى . فنادى مناد من بين تلك الحفر : يا صالح ،
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
[ الروم : 25 ] فسقطت - واللّه - لوجهي جزعا من ذلك الصّوت « 2 » .
وقال أبو السائب العبدي : أتانا صالح المرّيّ فقلت : من أين أقبلت ؟
فقال : مررت بدار فلان فنادتني : يا صالح ، خذ موعظتك منّي ، فقد نزلني فلان فارتحل ، ونزلني فلان فارتحل ، ونزلني فلان فارتحل . ومررت بدار فلان فنادتني : يا صالح ، خذ موعظتك منّي ، نزلني فلان فارتحل ، ونزلني فلان فارتحل ، ونزلني فلان فارتحل . فجعل يعدّد الدور دارا [ دارا ] « 3 » حتى وصل إلينا .
وقال : ما بينك وبين أن ترى أثر اللّه عليك فيما تحبّ إلّا أن تعمل فيما بينك وبين خلقه فيما يحبّ ، فحينئذ لا تفقد برّه ، ولا تعدم في [ كل ] أمر خيره « 4 » .
وقال الأصمعي : شهدت صالحا المرّيّ عزّى رجلا عن ابنه « 5 » فقال له :
لئن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك فمصيبتك بابنك « 6 » جلل « 7 » في مصيبتك في نفسك ، فإيّاها فابك .
هامش
( 1 ) في الحلية : « كأنهم » .
( 2 ) الحلية 6 / 170 .
( 3 ) اللفظة مستدركة من الحلية 6 / 170 .
( 4 ) الحلية 6 / 171 ، وما بين معقوفين منه .
( 5 ) في الحلية 6 / 171 : « على أبيه » .
( 6 ) في الحلية 6 / 172 « بأبيك » .
( 7 ) الجلل : العظيم والصغير ، من الأضداد ، والمقصود بها في الخبر المعنى الثاني .
أي : صغيرة يسيرة .