لا يقوم له بصرك ، ولا يثبت له قلبك ، ولا يستقرّ لفظاعة هوله على قرار قدمك . ثم بكى وصاح : يا سوء منظراه ! ويا سوء منقلباه ، وبكى الناس « 1 » .
وقال : كنّا في مجلس صالح ، فأخذ في الدّعاء ، فمرّ رجل مخنّث ، فوقف يسمع الدّعاء ، ووافق صالحا يقول : اللهمّ اغفر لأقسانا قلبا ، وأجمدنا عينا ، وأحدثنا بالذّنوب عهدا ؛ فسمع المخنّث فمات ، فرئي في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي . قيل : بماذا ؟ قال : بدعاء صالح المرّيّ ، لم يكن في القوم أحدث عهدا بالمعصية منّي ، فوافقت دعوته الإجابة ، فغفر لي « 2 » .
وقال خلف بن الوليد : كان صالح المرّيّ إذا قصّ قال : هات جونة « 3 » المسك والتّرياق المجرّب - يعني القرآن - فلا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف « 4 » .
وقال صالح : دفعت إليّ صحيفة في المنام فيها : ما تخوّفت عواقبه فوطّن نفسك على أن تجتنبه « 5 » .
وقال : وقفت في دار المورياني « 6 » حين خربت ، فعرضت لي فيها بضع عشرة آية :
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
[ القصص :
58 ] و
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
[ الدخان : 25 ] ، وما أشبه ذلك .
قال : فإنّي أقرأ ، إذ خرج عليّ أسود من ناحيتها فقال : يا عبد اللّه ! هذه سخطة مخلوق ، فكيف بسخطة الخالق ؟ ثم ذهب ، فاتّبعته ، فلم أر أحدا .
هامش
( 1 ) الحلية 6 / 165 - 166 .
( 2 ) الحلية 6 / 166 - 167 .
( 3 ) الجونة : سليلة مستديرة مغشّاة أدما ، تكون مع العطّارين . اللسان ( جون ) .
( 4 ) الحلية 6 / 167 .
( 5 ) الحلية 6 / 168 .
( 6 ) في الحلية 6 / 169 : « المرزباني » وهو تحريف ، والمورياني : هو سليمان بن أبي سليمان الخوزي ، كان وزيرا للمنصور ، ثم غضب عليه . . . واستأصله وعذّبه ، وأخذ منه أموالا عظيمة . انظر السير 7 / 23 .