اللّه وسنّة نبيّه . فمثلك لا يكابر بتجديد « 1 » المعصية ، ولكن تمثل له الإساءة إحسانا ، ويشهد له عليها خونة « 2 » العلماء . وبهذه الحبالة تصيّدت الدنيا نظراءك ؛ فأحسن الحمل فقد أحسنت إليك الأداء . قال : فبكى المهدي .
وقال أبو همام : فأخبرني بعض الكتّاب أنّه رأى هذا الكلام مكتوبا في دواوين المهدي .
وقال عفّان « 3 » بن مسلم : كنّا نأتي مجلس صالح المرّيّ نحضره وهو يقصّ ، وكان إذا أخذ في قصصه كأنّه رجل مذعور يفزعك أمره « 4 » من حزنه ، وكثرة بكائه كأنّه ثكلى ؛ وكان شديد الخوف من اللّه ، كثير البكاء « 5 » .
وقال الحسن بن حسّان : كنّا يوما عند صالح المرّيّ وهو يتكلّم ، فقال لرجل حدث بين يديه : اقرأ يا بني ، فقرأ الرجل :
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ، ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[ غافر : 18 ] الآية ، فقطع صالح عليه القراءة وقال : كيف يكون للظالم حميم أو شفيع ، والمطالب له ربّ العالمين ؟ إنّك - واللّه - لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السّلاسل والأغلال إلى الجحيم حفاة عراة مسودّة وجوههم ، مزرقّة عيونهم ، ذائبة أجسامهم ، ينادون : يا ويلاه ! يا ثبوراه ! ما ذا نزل بنا ؟ ما ذا حلّ بنا ؟ أين يذهب بنا ؟ ما يراد منا ؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النّيران ، مقرّنين ، إنك - واللّه - لو رأيتهم لرأيت منظرا
هامش
( 1 ) في الأصل وتاريخ بغداد : « بتجريد » ، والمثبت من وفيات الأعيان .
( 2 ) في الأصل : « خوفه به » ، والمثبت من تاريخ بغداد 9 / 306 ، ووفيات الأعيان 2 / 495 .
( 3 ) في الأصل : « سمعان » وهو تحريف ، وعفّان بن مسلم ممّن روى عن صالح المري . تهذيب الكمال 13 / 17 .
( 4 ) في الأصل : « امراه » والألف بعد الراء زائدة .
( 5 ) الحلية 6 / 167 ، وتاريخ بغداد 9 / 308 .