وقال زيد بن العبّاس : لمّا حجّ هارون الرشيد قيل له : يا أمير المؤمنين ، قد حجّ شيبان العام . قال : اطلبوه لي . فطلبوه ، فأتوه به ، فقال له :
يا شيبان ، عظني . قال : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل ألكن « 1 » لا أفصح بالعربية ، فجئني « 2 » بمن يفهم كلامي حتى أكلّمه . فأتي برجل يفهم كلامه ، فقال له بالنّبطيّة : قل له : يا أمير المؤمنين ، إنّ الذي يخوّفك قبل أن تبلغ المأمن أنصح لك من الذي يؤمّنك [ قبل ] أن تبلغ الخوف . فقال له : أي شيء تفسير هذا ؟ قال : قل له : الذي يقول لك : يا هذا اتّق اللّه ، فإنّك رجل من هذه الأمّة ، استرعاك اللّه عليها ، وقلّدك أمورها ، وأنت مسؤول عنها ، فاعدل في الرعيّة ، واقسم بالسّويّة ، وانفر في السّريّة ، واتّق اللّه في نفسك ، هذا الذي يخوّفك . فإذا بلغت المأمن أمنت ، وهو أنصح لك ممّن يقول :
أنتم أهل بيت مغفور لكم ، وأنتم قرابة نبيّكم ، وفي شفاعته ؛ فلا يزال يؤمّنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت . فبكى هارون حتى رحمه من حوله ، ثم قال : زدني . قال : حسبك . ثم خرج « 3 » .
وقال سيّار : قرأ رجل على شيبان الراعي :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 - 8 ] فذهب على وجهه ، فلم ير سنة ؛ فلمّا كان بعد الحول لقيه رجل فقال : من أين ؟ قال : من ذلك الحساب الدقيق :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 - 8 ] « 4 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) اللّكنة : عجمة في اللسان ، وعيّ ، والألكن : الذي لا يقيم العربية من عجمة في لسانه . اللسان . ( لكن ) .
( 2 ) في الأصل : « فجيئني » والمثبت من صفة الصفوة 4 / 376 .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 376 - 377 .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 377 .