( 233 ) شيبان المصاب « * »
قال سالم أحد أصحاب ذي النّون : بينا أنا سائر مع ذي النون في جبل لبنان إذ قال لي : مكانك يا سالم حتى أعود إليك . فغاب عنّي في الجبل ثلاثة أيّام ، وأنا أنتظره ، إذا هاجت عليّ النفس أطعمتها من نبات الأرض ، وسقيتها من ماء الغدران ؛ فلما كان بعد الثالث رجع متغيّر اللّون ، ذاهب العقل . فقلت له بعد ما رجعت إليه نفسه : يا أبا الفيض ، أسبع عارضك ؟
قال : لا ، دعني من تخويف البشريّة ، إنّي دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل ، فرأيت رجلا أبيض الرأس واللّحية ، أشعث أغبر نحيفا نحيلا كأنّما أخرج من قبره ، ذا منظر مهول ، وهو يصلّي ، فسلّمت عليه بعد ما سلّم ، فردّ عليّ السلام ، وقام إلى الصلاة ، فما زال راكعا وساجدا حتى صلّى العصر ، واستند إلى حجر مقابل المحراب يسبّح لا يكلّمني . فبدأته بالكلام فقلت له :
رحمك اللّه ، أوصني بشيء ، وادع اللّه لي بدعوة . فقال : يا بني ، آنسك اللّه بقربه . ثم سكت ، فقلت : زدني . فقال : يا بني ، من آنسه بقربه أعطاه أربع خصال : عزّا من غير عشيرة ، وعلما من غير طلب ، وغنى من غير مال ، وأنسا من غير جماعة ، ثم شهق شهقة فلم يفق إلّا بعد ثلاث ، حتى توهّمت أنّه ميّت . فلما « 2 » كان بعد ثلاثة أيام قام فتوضّأ من عين ماء إلى جنب الكهف وقال لي : يا بني ، كم فاتني من الفرائض ؟ صلاة أو صلاتان أو ثلاث ؟ فقلت : قد فاتك صلاة ثلاثة أيام بلياليهن . فقال :
إنّ ذكر الحبيب هيّج شوقي * ثم حبّ الحبيب أذهب عقلي
ثم قال : قد استوحشت من ملاقاة المخلوقين ، وأنست بذكر ربّ
هامش
( * ) ترجمته في : صفة الصفوة 4 / 348 .
( 2 ) في الأصل : « فلم » .