التمس استصغار الدنيا بالتقلّل منها ، واستجلب حلاوة التّرك بقصر الأمل فيها .
قد استدبرت أمورا لك فيها منظر ومعتبر ومتّعظ ومزدجر ، ما صدر قوم عن معصية اللّه إلى غير عذاب اللّه عاجلا أو آجلا ، إلّا من عصمه اللّه بالتّوبة .
كن عالما عاملا ، فقد علم أقوام ولم يعملوا ، ولم يكن علمهم إلّا عليهم . والعلم والعمل قرينان ، لا ينفع أحدهما إلا بصاحبه .
اختر القلّة ، وارتع في رياض المقلّين ، تدرك ثمرة قلبك . أما علمت أنّ النار حفّت بالشهوات ، والجنّة بالمكاره . اختر ما اختاره الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وادع إلى ما دعا إليه ، تكن للّه وليّا ، وللرسول أمينا ، وللمتّقين إماما ، واعلم أنّ العبد المؤمن ليس بالذي يشكر في السرّاء ، فإذا أصابه شيء ممّا يكره ترك دينه . ومن لا خير له فيما يكره فليس له خير فيما يحبّ ، فقد جعل اللّه في الكره خيرا لمن صبر على البلاء ، واحتسب المصيبة ؛ وأحسن الظنّ باللّه وصدق التوكّل عليه ، وآمن بما وعد اللّه الصابرين ، والتمس الرّفعة بالتواضع ، والشرف بالدّين ، واطلب حقيقة الإيمان بردّك نفسك عن الدنيا ، وأجهد نفسك على طلب الآخرة ، فإنّ الكيّس من دان نفسه ، وعمل لآخرته ، والعاجز من أعطى نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني « 1 » .
وممّا أسنده عن أنس بن مالك : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يجاء بالدنيا مصوّرة يوم القيامة ، فتقول : يا ربّ ، اجعلني لرجل من أدنى أهل الجنّة منزلة . فيقول اللّه تعالى : أنت أنتن من ذلك ، بل أنت وأهلك في النار » « 2 » .
رحمة اللّه عليه .
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 10 / 71 - 72 .
( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية 10 / 73 .