تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
فمن كلامه : قال : اعلم أنّ اللّه إذا أراد أن يغني فقيرا ، ويفقر غنيّا ، أو يرفع وضيعا ، أو يضع رفيعا ، فعل ما أراد من ذلك ، فلا تغالب اللّه على أمره ، ولا تلتمس شيئا من ذلك بغير طاعة اللّه ، فإنّ الذين التمسوا الأمور بغير طاعة اللّه خسروا خسرانا مبينا فيما أصابوا بما طلبوا ، وفيما أخطأهم ممّا أرادوا ، فانظر إذا كنت إماما ، أيّ إمام تكون ؟ فربّما نجت الأمة بالإمام الواحد ، وربما هلكت بالإمام الواحد ؛ وإنما هما إمامان : إمام هدى ، قال اللّه
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
[ السجدة : 24 ] يعني عن الدنيا ، وإنّما صاروا أئمة حين صبروا عنها ؛ ولا يكون إمام هدى حجّة لأهل الباطل ، فإنّه قال :
يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
لا بأمر أنفسهم ، ولا بأمور الناس ، وقال :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ
[ الأنبياء : 73 ] ، فهذا إمام هدى ، فهو ومن أجابه شريكان . وإمام آخر ، قال اللّه تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
[ القصص : 41 ] ولا تجد أحدا يدعو إلى النار ، ولكن الدّعاة إلى معصية اللّه تعالى . [ فهذان إمامان هما مثل من الذين خلو من قبلكم وموعظة للمتقين ] « 1 » . واعلم أنّ باب الآخرة مفتوح ، فأدخله تصل إلى رحمة اللّه ، وتكن في كنف اللّه وحفظه وولايته ويسره وأجره ورزقه وكفايته ، فإنّ اللّه لا يخلف الميعاد ، وأعلم أنّه ليس بين اللّه وبين العباد وسيلة إلا طاعته ، فلا تتوسّلوا إلى اللّه بغير الوسيلة التي جعلها اللّه سبيلا وسببا إليه ، فإنّ ديّان الدّين إنّما يدين العباد غدا بأعمالهم ، ولا يدينهم بمنازلهم في الدنيا ، واعلم أنّك قد كفيت مؤونة من بعدك ، فلا تتكلّف مؤونة من قد كفيت بإفساد نفسك ؛ واعلم أنّ الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم ، فلم يبق ما جمعوا لهم ، ولا من جمعوا له .
هامش
( 1 ) ما بين الحاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 10 / 71 .