تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
وقال الجنيد : قال السّريّ ونحن حوله : أنا لكم عبرة يا معشر الشباب ، اعملوا فإنّما العمل في الشبيبة . وكان إذا جنّ عليه الليل دافع أوّله ، ثم دافع ، ثم دافع ، فإذا غلبه الأمر ، أخذ في النّحيب والبكاء « 1 » . وقال : مارست كلّ شيء من أمر الزّهد فنلت منه ما أريد ، إلّا الزهد في الناس ، فإنّي لم أبلغه ، ولم أطق . وسئل عن الصّبر ، فجعل يتكلّم فيه ، فدبّ على رجله عقرب وهي تضربه بإبرتها ضربات كثيرة ، وهو ساكن ، فقيل له : لم لم تنحّها عنك ؟ فقال : استحييت من اللّه أن أتكلّم في الصّبر ، ولا أصبر . وقال : إن الحياء والأنس يطرقان القلب ، فإن وجدا فيه الزّهد والورع حطّا ، وإلّا رحلا « 2 » . وقرئ بين يديه :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
[ الإسراء : 45 ] فقال لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ هو حجاب الغيرة ، ولا أحد أغير من اللّه تعالى ، ومعنى حجاب الغيرة : أنّه لم يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدّين . وقال : لم أر شيئا أحبط للأعمال ، ولا أفسد للقلوب ، ولا أضرّ بالحكمة ، ولا أنجع في هلكة العبد ، ولا أدوم للأضرار ، ولا أبعد من الاتّصال ، ولا أقرب من المقت ، ولا ألزم لمحجّة الرّياء والعجب والتّزيّن ، من قلّة معرفة العبد بنفسه ، ونظره في عيوب غيره ، لا سيّما إن كان معروفا مشهورا بالعبادة ، وامتدّ له الصّوت ، وبلغ من الثناء ما لم يكن يأمل ، وتربّص
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 10 / 126 . ( 2 ) صفة الصفوة 2 / 381 ، ومختصر تاريخ دمشق 9 / 225 . وفيهما نحو هذا الخبر بزيادة ونقصان . .