تلك الطاقة كثير ، فقال لي : خذ ، فقلت : الطاقة الأولى ليس لأحد فيها منّة ، وهذا بدلالتك ، وإنّما أريد مالا منّة فيه لمخلوق ، و [ لا ] للّه فيه تبعة « 1 » .
قال : وسمعته يقول : كنت بطرسوس « 2 » ، وكان معي في الدّار فتيان متعبّدون ، وكان في الدّار تنّور يخبزون فيه ، فانكسر التنّور ، فعملت لهم بدله من مالي ، فتورّعوا أن يخبزوا فيه « 3 » .
وقال الجنيد : دخلت على السّريّ في يوم صائف ، فإذا الكوز الذي يشرب منه في الشمس ، فقلت : يا سيّدي ؛ الكوز في الشمس ! قال :
صدقت يا أبا القاسم ، في الفيء كان ، فجاءت الشمس إليه ، فدعتني نفسي أن أنقله إلى الفيء ، فاستحييت من الحقّ تعالى أن أخطو خطوة يكون لنفسي فيها راحة « 4 » .
وقال الجنيد : كنت نائما عند السّريّ - رحمه اللّه - فأنبهني فقال لي : يا جنيد ، رأيت كأنّي قد وقفت بين يدي اللّه تعالى ، فقال لي : يا سريّ ، خلقت الخلق ، فكلّهم ادّعوا محبّتي ، وخلقت الدنيا ، فهرب منّي تسعة أعشارهم وبقي معي العشر ، وخلقت الجنّة ، فهرب منّي تسعة أعشار العشر ، وبقي عشر العشر ، فسلّطت عليهم ذرّة من البلاء ، فهرب منّي تسعة أعشار عشر العشر ، فقلت للباقين معي : لا الدنيا أردتم ، ولا الجنّة أخذتم ، ولا من النّار هربتم ، فما ذا تريدون ؟ قالوا : إنّك تعلم ما نريد . فقلت لهم : إنّي مسلّط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ، مالا تقوم له الجبال الرّواسي ، أتصبرون ؟ قالوا : إذا كنت أنت المبتلي لنا ، فافعل ما شئت ، فهؤلاء عبيدي حقّا « 5 » .
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 10 / 116 .
( 2 ) تقدم التعريف بها في الصفحة 419 من هذا الجزء
( 3 ) حلية الأولياء 10 / 116 - 117 .
( 4 ) مختصر تاريخ دمشق 9 / 225 .
( 5 ) صفة الصفوة 2 / 383 - 384 ، ومختصر تاريخ دمشق 9 / 224 .