وقال الجنيد : كنت يوما عند السّريّ ، وكنّا خاليين ، وهو متّزر بمئزر ، فنظرت إلى جسده كأنّه جسد سقيم دنف مضنى ، كأجهد ما يكون ، فقال : انظر إلى جسدي هذا ، لو شئت أن أقول : إنّ ما بي من المحبّة ، لكان كما أقول .
وكان وجهه أصفر ، ثم أشرب حمرة حتى تورّد ، ثم اعتلّ ، فدخلت عليه أعوده فقلت له : كيف تجدك ؟ فقال :
كيف أشكو إلى طبيبي مابي * والذي بي أصابني من طبيبي
فأخذت المروحة أروّحه فقال لي : كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ؟ ثم أنشأ يقول :
القلب محترق ، والدّمع مستبق * والكرب مجتمع ، والصّبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له * ممّا جناه الهوى والشّوق والقلق
يا ربّ إن كان شيء فيه لي فرج * فامنن عليّ به ما دام بي رمق « 1 »
وقال السّريّ : لو أنّ رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق اللّه تعالى من الأشجار ، عليها من جميع ما خلق اللّه من الأطيار ، فخاطبه كلّ طائر منها بلغته فقال : السّلام عليك يا وليّ اللّه ، فسكنت نفسه إلى ذلك ، كان في يديها أسيرا « 2 » .
وقال الجنيد : سمعت السّريّ يقول : لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل عليّ فقلت بلحيتي كذا - وأمرّ يده على لحيته كأنّه يريد تسويتها من أجل دخول الدّاخل - لخفت أن يعذّبني اللّه على ذلك بالنار « 3 » .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 9 / 191 ، وصفة الصفوة 2 / 384 - 385 .
( 2 ) حلية الأولياء 10 / 118 .
( 3 ) حلية الأولياء 10 / 116 ، ومختصر تاريخ دمشق 9 / 221 .