وقال محمد بن مسعر : كان لرياح القيسي غلّ من حديد قد اتخذه ، وكان إذا جنّه الليل « 1 » وضعه في عنقه ، وجعل يبكي ويتضرّع حتى يصبح « 2 » .
وقالت مخّة - وكانت إحدى العوابد - : رأيت رياح بن عمرو القيسي ليلة خلف المقام ، فذهبت فقمت خلفه حتى أزحفت « 3 » ، ثم اضطجعت وهو قائم ، وأنا انظر إليه ، فقلت بصوت حزين : سبقني العابدون ، وبقيت وحدي ، والهف نفساه ! فإذا رياح قد شهق وانكبّ على وجهه ، فامتلأ فمه رملا ، فما زال كذلك حتى أصبحنا ، ثم أفاق « 4 » .
وقال الحارث بن سعيد : أخذ بيدي رياح القيسي يوما فقال : هلمّ يا أبا محمد حتى نبكي على مرّ الساعات ، ونحن على هذه الحال .
قال : وخرجت معه إلى المقابر ، فلما نظر إلى القبور صرخ ثم خرّ مغشيّا عليه ، فجلست - واللّه - عند رأسه أبكي ، فأفاق ، فقال :
ما يبكيك ؟ قلت : لما أرى بك ، قال : لنفسك فابك . ثم قال : وا نفساه ، وا نفساه ! ثم غشي عليه . قال : فرحمته - واللّه - ممّا نزل به ؛ فلم أزل عند رأسه حتى أفاق ، فوثب وهو يقول :
تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ
[ النازعات : 12 ] . ومضى على وجهه وأنا أتبعه لا يكلّمني ، حتى انتهى إلى منزله ، فدخل وأصفق الباب « 5 » ، ورجعت إلى أهلي ؛ ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات « 6 » .
وقال رياح : لا أجعل لبطني على عقلي سبيلا أيّام الدنيا ، فكان لا يشبع ، إنّما يأكل بلغة بقدر ما يمسك الرّمق « 7 » .
هامش
( 1 ) جنّه الليل : ستره .
( 2 ) حلية الأولياء 6 / 195 .
( 3 ) أزحف البعير : أعيا . القاموس ( زحف ) .
( 4 ) حلية الأولياء 6 / 192 - 193 .
( 5 ) صفق الباب وأصفقه : ردّه أو أغلقه . القاموس ( صفق ) .
( 6 ) حلية الأولياء 6 / 193 .
( 7 ) حلية الأولياء 6 / 194 .