وقال محمد الجمحي : سمعت الربيع يقول في كلامه : قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال ، فنحن في الدنيا حيارى لا ننتبه من رقدة إلّا أعقبتنا في إثرها غفلة ، فيا إخوتا ! نشدتكم اللّه ، هل تعلمون مؤمنا باللّه أغرّ ، ولنقمه أقلّ حذرا من قوم هجمت بهم العبر على مصارع النادمين ، فطاشت عقولهم ، وضلّت حلومهم عندما رأوا من العبر والأمثال ، ثم رجعوا من ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة « 1 » ؟ فباللّه يا إخوتاه ! هل رأيتم عاقلا رضي من حاله لنفسه بمثل هذه حالا ؟ واللّه - عباد اللّه - لتبلغنّ من طاعة اللّه رضاه ، أو لتنكرنّ ما تعرفون من حسن بلائه ، وثواب تواتر نعمائه . إن تحسن أيها المرء يحسن إليك ، وإن تسيء فعلى نفسك بالعتب فارجع ، فقد بيّن وحذّر ، وأعذر وأنذر ، فما للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
[ الفتح : 7 ] « 2 » .
وقال الربيع : إنّ للّه عبادا أخمصوا « 3 » له البطون عن مطاعم الحرام ، وغضّوا له الجفون عن مناظر الآثام ، وأهملوا له العيون « 4 » لمّا اختلط عليهم الظلام ، رجاء أن ينير لهم قلوبهم إذا تضمّنتهم الأرض بين أطباقها ، فهم في الدنيا مكتئبون ، وإلى الآخرة متطلّعون ، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت ، فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب اللّه تعالى ، فازدادوا بذلك جدّا واجتهادا عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم ، فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا ، وهم الذين تقر أعينهم غدا بطلعة ملك الموت عليهم . قال : ثم بكى حتى بلّ لحيته بالدّموع « 5 » .
هامش
( 1 ) في حلية الأولياء 6 / 298 : « إلى غير عقله ولا نقله » .
( 2 ) حلية الأولياء 6 / 298 .
( 3 ) أخمصوا : أجاعوا .
( 4 ) هملت عينه : فاضت دمعا .
( 5 ) حلية الأولياء 6 / 299 .