تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
إليهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني . ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعاهم ، فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قال : نقول واللّه ما علمنا وما أمرنا به نبيّنا كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما جاءوه وقد دعا النجاشيّ أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال : ما هذا الدّين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم ؟ فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك ! كنّا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويّ منا الضعيف ، فكنّا على ذلك حتى بعث اللّه عزّ وجلّ إلينا رسولا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه لنوحّده ونعبده ، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ؛ وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزّور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة . وأمرنا أن نعبد اللّه وحده ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فصدّقناه وآمنّا به ، واتّبعناه على ما جاء به من اللّه عزّ وجل ؛ فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرّم علينا ، وأحللنا ما أحلّ لنا . فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردّونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقّوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك ، فاخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . فقال له النجاشيّ : هل معك مما جاء به عن اللّه عزّ وجلّ شيء ؟ فقال له جعفر : نعم . قال : فأقرأه عليّ . فقرأ عليه صدرا من
كهيعص
فبكى واللّه النجاشيّ حتى اخضلّت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 29 | مجد الدين ابن الأثير