أحكمناها . فقال داود : فأيّ شيء بقي ؟ قال : العمل به . قال : فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة ، فقلت لها : حتى تجلسي معهم فلا تتكلمي في مسألة . قال : فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل . قال : وكانت المسألة تجيء وأنا أشدّ [ شهوة ] للجواب عنها من العطشان إلى الماء ، فلا أجيب فيها . قال : فاعتزلتهم « 1 » .
وقيل : كان سبب زهده أنه كان يمرّ ببغداد يوما فنحّاه المطرّقون « 2 » بين يدي حميد الطّوسي ، فالتفت داود فرأى حميدا فقال لنفسه : أفّ لدينا سبقك بها حميد . فلزم البيت وأخذ في الجهد والعبادة « 3 » .
وقال عطاء : كان لداود الطائي ثلاث مائة درهم ، فعاش بها عشرين سنة ينفقها على نفسه ، وكنّا ندخل عليه ، فلم يكن في بيته إلا باريّة « 4 » ولبنة يضع عليها رأسه ، وإجّانة فيها خبز « 5 » ، ومطهرة يتوضّأ منها ومنها يشرب « 6 » .
وقال أبو سليمان الدّاراني : ورث داود الطائي من أمّه دارا ، وكان ينتقل في بيوت الدار ، كلّما تخرّب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمّره حتى أتى على عامّة بيوت الدار . قال : وورث من أبيه دنانير ، فكان يتقوّتها حتى كفّن بآخرها « 7 » .
هامش
( 1 ) الحلية 7 / 341 ، 342 ، وما مرّ بين معقوفين منه ، وزاد في آخره : « بعد » .
( 2 ) في ( أ ) : « المطروقون » ، والمثبت من مناقب ابن خميس . وحميد الطوسي : من كبار قوّاد المأمون العباسي . انظر الأعلام 2 / 283 . والمطرّق : من قولهم : طرّق لي فلان ؛ أي جعل لي طريقا . انظر أساس البلاغة ( طرق ) .
( 3 ) مناقب ابن خميس ص 48 / ب .
( 4 ) الباريّة : الحصير المنسوج . القاموس ( بور ) .
( 5 ) الإجّانة : وعاء تغسل فيه الثياب ونحوها ، وتسمى المركن . اللسان ( أجن ، ركن ) .
( 6 ) تاريخ بغداد 8 / 348 .
( 7 ) تاريخ بغداد 8 / 348 ، 349 .