تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
يأكل ، فهنّيته وتعجّبت من حاله ! ورأيت أنّ جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء . فخرجت من عنده ودخلت على رجل من مجهزي « 1 » القطيعة يعرف بالجرجاني ، فلما علم بمجيئي إليه خرج إليّ حاسر الرأس ، حافي القدمين وقال لي : ما عنى القاضي أيّده اللّه ؟ فقلت : مهيم « 2 » ؟ قال : وما هو ؟ قلت : في جوارك داود بن عليّ ، ومكانه من العلم ، وأنت فكثير البرّ والرّغبة في الخير تغفل عنه ؟ وحدّثته بما رأيت منه . فقال لي : داود شرس الخلق ، أعلم القاضي أنّي وجّهت إليه البارحة بألف درهم مع غلامي يستعين بها في بعض أموره ؟ فردّها مع الغلام وقال : قل له : بأيّ عين رأيتني ؟ وما الذي بلغك من حاجتي حتى وجّهت إليّ بهذا ؟ فتعجبت من ذلك وقلت له : هات الدراهم ، فإنّي أنا أحملها إليه . فدفعها إليّ ثم قال : يا غلام ! ناولني الكيس الآخر . فجاء به فوزن ألفا آخر وقال : تلك لنا وهذه لموضع القاضي وغنائه « 3 » . فأخذت الألفين وجئت إليه ، فقرعت بابه ، فخرج وكلّمني من وراء الباب وقال : ما ردّ القاضي ؟ قلت : حاجة أكلّمك فيها ؛ فدخلت وجلست ساعة ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه فقال : هذا جزاء من ائتمنك على سرّه ! إنما بأمانة العلم أدخلتك إليّ ، فلا حاجة لي فيها . قال المحاملي : فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني ، ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان ، فقال : أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم للّه تعالى ، لا ترجع في مالي ، فليتولّ القاضي إخراجها في أهل السّتر والعفاف على ما يراه ، فقد أخرجتها عن قلبي « 4 » . ومات سنة سبعين ومائتين وله ثمان وستون سنة . رحمة اللّه عليه .
هامش
( 1 ) في تاريخ بغداد : « مجندي القطيعة » . ( 2 ) مهيم : كلمة يستفهم بها ، معناها : ما حالك وما شأنك . اللسان ( مهم ) . ( 3 ) في تاريخ بغداد : « وعنايته » . ( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 371 ، 371 .