تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وقال وهب بن نعيم : جاء حسن الفلاس إلى بشر بن الحارث مرّة ومرّتين وثلاثا ، يتردّد إليه في مسألة ، ليكون الحجّة فيما بينه وبين اللّه تعالى ، فتركه بشر وقام مرة ومرتين وثلاثا ؛ فلما كان بعد ذلك تبعه إلى المقابر ، فلما صار إلى المقابر وقف بشر وقال له : يا حسن ! أيودّ هؤلاء أن يردّوا فيصلحوا ما أفسدوا ؟ ألا فاعلم يا حسن أنه من فرح قلبه بشيء من الدنيا أخطأ الحكمة قلبه ، ومن جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرق الشيطان من ظلّه ، ومن غلب هواه فهو الصابر الغالب . ألا واعلم أنّ البلاء كلّه في هواك ، والشّفاء كلّه في مخالفتك إياه ، فإذا لقيته فقل : قال لي . فرجع الحسن فعاهد اللّه تعالى أن لا يأكل ما يباع ولا ما يشترى ، ولا يلبس ما يباع ولا ما يشترى ، ولا يمسك بيده ذهبا ولا فضة ، ولا يضحك أبدا ، وكان يأوي ستة أشهر في العباسية ، وستة أشهر حول دار البطّيخ ، ويلبس ما في المزابل . ولقيه رجل بالبذندون « 1 » منصرفا على هذه الصورة فقال : يا حسن ، من ترك شيئا للّه عوّضه ما هو خير منه - يعني فما عوّضك ؟ فقال الحسن : الرّضا بما ترى . فلما رجع من غزاته خرج به خراج فكانت منيّته ، فلما اشتدّ به الأمر قال لمولاة له : لا تسقيني ماء حتى أطلب منك . فلما قرب منه الأمر طلب منها الماء ، فشرب وقال : لقد أعطاني ما يتنافس فيه المتنافسون « 2 » . وقال الجنيد : كان حسن الفلاس لا يأكل إلا القمام « 3 » . رحمة اللّه عليه . * * *
هامش
( 1 ) البذندون ؛ بفتحتين وسكون النون ودال مهملة وواو ساكنة ونون : قرية بينها وبين طرسوس يوم من بلاد الثغر . معجم البلدان 1 / 361 ، 362 . ( 2 ) صفة الصفوة 2 / 397 . ( 3 ) القمام : جمع قمامة ، وهي الكناسة . والخبر في صفة الصفوة 2 / 397 .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 206 | مجد الدين ابن الأثير