تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وقال الجنيد : مرّ بي يوما الحارث المحاسبي وأنا جالس على بابنا ، فرأيت على وجهه زيادة الضّرّ من الجوع ، فقلت له : يا عمّ ! لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا . قال : أو تفعل ؟ قلت : نعم . وتسرّني بذلك وتبرّني . فدخلت بين يديه ودخل معي ، وعمدت إلى بيت عمّي - وكان أوسع من بيتنا ، لا يخلو من أطعمة فاخرة ، ولا يكون مثلها في بيتنا - سريعا ، فجئت بأنواع كثيرة من الطعام ، فوضعته بين يديه ، فمدّ يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه ، فرأيته يلوكها ولا يزدردها ، فوثب وخرج وما كلّمني ؛ فلما كان الغد لقيته فقلت : يا عمّ ! سررتني ثم نغّصت عليّ . فقال : يا بني ! أما الفاقة فكانت شديدة ، وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام الذي قدّمته إليّ ، ولكن بيني وبين اللّه علامة ، إذا لم يكن الطعام عند اللّه مرضيّا ارتفع إلى أنفي منه زفورة « 1 » فلم تقبله نفسي ، فقد رميت بتلك اللّقمة في دهليزكم وخرجت « 2 » . وقال الجنيد في رواية أخرى نحو هذه ، إلا أنه قال فيها : فأدخلته الدار ، فطلبت شيئا أقدّمه إليه ، فلم يكن إلا شيء من طعام حمل من عرس قوم ، فقدّمت إليه ، فأخذ لقمة فأدارها في فيه مرّات ، ثم قام وألقاها في الدّهليز ومرّ ، فلما رأيته بعد أيام قلت له في ذلك فقال : إني كنت جائعا وأردت أن أسرّك بأكلي ، وأحفظ قلبك ، ولكن بيني وبين اللّه تعالى علامة ؛ أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة ، فلم يمكنّي ابتلاعه ، فمن أين كان ذلك الطعام ؟ فقلت له : إنّه حمل من طعام عرس قريب لي ، ثم قلت له : تدخل اليوم ؟ قال : نعم . فقدّمت إليه كسرا كانت لنا ، فأكل وقال : إذا قدّمت إلى فقير شيئا فقدّم مثل هذا « 3 » .
هامش
( 1 ) في تاريخ الخطيب : « زفرة » . ( 2 ) الحلية 10 / 74 ، 75 وتاريخ بغداد 8 / 213 ، 214 . ( 3 ) الرسالة القشيرية 1 / 79 ، 80 والمناقب 46 ب .