لأنّ ( الأصل عدم حجية الآخر بعد الالتزام بأحدهما كما تقرر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى مجتهد إلى مثله ) فانّهم منعوا عن استمرار التخيير فيه بأصالة عدم حجية فتوى المجتهد الآخر بعد الأخذ بأحدهما ( نعم لو كان الحكم بالتخيير في المقام « متعارضين » من باب تزاحم الواجبين ) كما في انقاذ الغريقين ( كان الأقوى استمراره لأنّ المقتضي له « تخيير » في السابق ) وهو تزاحم المصلحتين المتساويتين ( موجود بعينه ) في اللاحق ( بخلاف التخيير الظاهري في تعارض الطريقين ، فانّ احتمال تعيين ما التزمه قائم ) هنا فيسكت العقل عن الحكم بالتخيير ، والأصل عدم حجية الآخر بعد الأخذ بأحدهما ( بخلاف التخيير الواقعي ) في تزاحم المصلحتين فانّه مستمر قطعا .
( فتأمّل ) لعلّه إشارة إلى أنّه لو سلم حكم العقل بالتخيير بناء على الطريقية أيضا بدعوى صحة تزاحم الطريقين كتزاحم المصلحتين وعدم خروجهما بذلك من وصف الطريقية ، فلا ريب أنّ مناط حكمه بالتخيير في الابتداء وهو تزاحم الطريقين المتساويين باق قطعا بعد الأخذ بأحدهما كبقاء تزاحم المصلحتين ، فلا فرق بين الطريقية والسببية في حكم العقل بالتخيير بعد الأخذ لبقاء المناط في الابتداء ، إلّا أنّ الشأن في حكم العقل بالتخيير بناء على الطريقية بل الحق التوقّف ( واستصحاب التخيير غير جار لأنّ الثابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يختر فاثباته لمن اختار والتزم اثبات للحكم في غير موضعه الأوّل ) .
استدلوا لاستمرار التخيير بوجوه ثلاثة : أحدها : ما مرّ من وجود المقتضي وعدم المانع ، وقد عرفت جوابه . ثانيها : استصحاب التخيير ، وفيه : أنّ المتيقّن في السابق هو تخيير من لم يختر كما مرّ تقرير استفادة ذلك من أدلة التخيير ، وهذا الموضوع قد انتفى باختيار أحدهما إلّا أن يتمسّك بالمسامحة العرفية في بقاء الموضوع ، وأنّ الموضوع في نظر العرف هو الشخص المصادف بالمتعارضين والشخص باق . ثالثها : استصحاب حجية الخبر الآخر فإنّه كان جائز الأخذ في
شرح الرسائل — صفحة 477
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٤٧٧