إليها سلما من الهواء ، وهي تبعد منه بعد الأمل ، وهو يقرب منها قرب الأجل ، واختطفها أسرع من اللحظ ، ولا محيد لها عنه ، وانحدر بها أقرب من اللفظ ، فكأنما هي منه ، فجعل يتناولها بمثل السبعين ، وقد أدخلها في أضيق من التسعين ، فكان لها موتا عاجلا ، وكانت له قوتا حاصلا ، والحمد للّه الذي منّ بهذه النعمة على الإنسان ، وفضّله « 1 » بما سخر له من الحيوان ، وفيه أقول :
فانقض مثل الدلو خلاه الرشا * ليس يشا غير الذي منه يشا « 2 »
إن طار عنه صيده وإن مشى * أو غاب عنه في السماء فتّشا
أو غاص عنه « 3 » الأرض عليه نبشا * يسفر عن خد صباح أبرشا « 4 »
طارت بقايا الليل فيه نمشا * يخاله من قد رآه أرقشا
عاجا بآبنوسه محرشا
وما زلنا في ذلك نتحول عن تلك المنازل ، ونتجول في تلك الخمائل ، حتّى ثار من حمرها أفراد حران ، كأنهن أولاد غزلان ، قد جمع الأجل منها ما افترق ، وأخرجها من كل نفق ، فأخذت في الهرب ، وأخذنا في الطلب ، إثر كل رواع ينعطف انعطاف البرة ، ووثّاب يجتمع اجتماع الكرة ، وحاك الغضب إزاره ، وصاغ التبر حلوقه وسواره ، وحلك بالعنبر متنه ، وضمخ بالكافور بطنه ، ونضح بعبير ، ولفّع بحرير ، ينام بعيني ساهر ، ويفوت بجناحي طائر ، قصير اليدين ، طويل الساقين ، هاتان في الصعود تنجده ، وتانك عند الوثوب تؤيّده ، فلما طال به الجري ، وظن أنه نجي ، ثم أشلينا كلبا حللناه من ساجوره ، وخلّيناه إلى مسروره ، فمرّ يخفي شخصه غباره ، وفي شدقه [ شقرته ناره ، إن تنكّب ارتقبه طرفه ، وإن
هامش
( 1 ) ق : قفى .
( 2 ) في النسختين : نشا ، ولعل الصواب : يشا مكان يشاء .
( 3 ) لعلها : في ، لاستقامة الميزان .
( 4 ) ق : إرشا [ وفي الأصل : أو برشا ] .