بيد الإدلال ، الذي أباح له الإخلاد إلى الإحلال ، فوجده منظوما على خطّ كالكئوس المرصعة ، لما لاح مداده مداما ونقطه حببا ، وألفاظ تبيح للمناظر طلبا ، وتتيح للخواطر طربا ، ومعان ما حلّت في ميدان البيان حتى جلّت فحسب الأفكار بها حسبا ، وتعريضات لو كان التصريح فضة لكانت ذهبا ، أو كان شررا لكانت لهبا ، ومنن ما لاحت سحائبها حتى وكفت ، وأياد ما استكفت فواضلها حتى عمت وكفت « 1 » ، فرفع إلى السماء يديه وهي قبلة الدعاء ، وعفّر في الأرض خديه وهو جهد الضعفاء .
وله من فصول جواب مكاتبة إلى صديق له سافر إلى الشام :
إلام يصير القلب للخطب منبرا * ويصبر للجلّى وإن كان منبرا ؟ « 2 »
وكيف يلام الصبّ في صبّ دمعه * عقيقا على مصفرّ خديه أحمرا ؟
وقد وقد البرح المبرّح في الحشا * فراع دخان الوجد في الوجه منظرا
وزادت دواعي الشوق إذ زالت القوى * فأصبح معروف التجلّد منكرا
فلو شام طرف الشام برق تنفسى * لتذكار من فيه إذن لتفطّرا
على أنّ من أمسى رفيق تفرق * ومن قصّد « 3 » الأشعار في الشوق قصّرا
وبعد فما ضاق الصدر ، وضاع الصبر ، وضعف الجلد ، وتضاعف الكمد ، وادلهمّ ليل الهمّ بفراق الحضرة السامية حتى طلع بدر كتابها فاهتدت ضوالّ الأفكار الشاردة ، ولمع شهاب خطابها فاحترقت شياطين الظنون الماردة ، وللّه الحمد على ما أعرب عنه من سلامة ركابها ، والرغبة في تقوية أسباب استتباب نعمتها وتعجيل إيابها ، وأن يكون ذلك بحسب ما تورثه وتقرره ، بتلك الأعمال من الأعمال الصالحة وتؤثره .
هامش
( 1 ) كفت : من الكفاية ، ووكفت الأولى أي أمطرت .
( 2 ) منبرى : من البرى وهو النحت والهزال .
( 3 ) في الأصل : قصر .