وإذا عددت سنيّ ثم نقصتها * زمن الهموم ، فتلك ساعة مولدي « 1 »
تعجّب من مقاصد هذه الكلم ، وتعرّض لموارد هذه الحكم ، واقض العجب كلّ العجب ، من غزارة هذا الأدب ، ولولا أنّ المداد أفضل ما ترقم به صحائف الكتب ، لحرّرت هذه الأبيات بماء الذهب « 2 » ، فهذا أبلغ « 3 » من قول أبي فراس بن حمدان « 4 » :
ما العمر ما طالت به الدّهور * العمر ما تمّ به السرور
أيّام عزّي ونفاذ أمري * هي التي أحسبها من عمري « 5 »
فالفضل للمتقدّم في ابتكار المعنى وللمتأخر في المبالغة ، حيث ذكره في بيت واحد ولم يجعل له نصيبا من العمر إلّا ساعة مولده . فجميع الحياة على الحقيقة نصب ، وألم وتعب .
* * * وأنشدني أيضا لنفسه من قديم نظمه :
تجرّم حتى قد مللت عتابه * وأعرضت عنه لا أريد اقترابه
إذا سقطت من مفرق المرء شعرة * تأفّف منها أن تمسّ ثيابه « 6 »
* * * وأنشدني من قديم قوله في السّلوان أيضا :
لم يبق لي في هواكم أرب * سلوتكم ، والقلوب تنقلب
هامش
( 1 ) الأبيات في مصورة الديوان « باب الشواهد والأمثال » .
( 2 ) انظر الأبيات وتعليق ياقوت الذي يشبه أن يكون نقدا للعماد في معجم الأدباء ج 5 ص 194
( 3 ) لم ترد ( فهذا أبلغ ) في الأصل ، واستدركت من « ع » .
( 4 ) الشاعر المعروف ، الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي ، ابن عم سيف الدولة . أمير فارس له وقائع كثيرة قاتل فيها الروم مع سيف الدولة ثم أسر بمنبج ، وكان متقلدا لها . عرف شعره في الأسر بالروميات .
مات قتيلا قرب حمص قتله أحد أتباع أبي المعالي بن سيف الدولة وكان أبو فراس خال أبي المعالي ، وبينهما تنافس .
( 5 ) البيتان من مزدوجة أبي فراس الطردية .
( 6 ) البيتان في مصورة الديوان « باب المكاتبات والمعاتبات » .