بالكريم ، فانتقل إلى مصر « 1 » فبقي بها مؤمّرا مشارا إليه بالتعظيم ، إلى أيّام ابن رزّيك « 2 » فعاد إلى الشام ، وسكن دمشق مخصوصا بالإكرام ، حتى أخذت شيزر من أهله ، ورشقهم صرف الزمان بنبله ، ورماه الحدثان إلى حصن كيفا « 3 » مقيما بها في ولده ، مؤثرا بلدها على بلده ، حتى أعاد اللّه دمشق إلى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيّوب في سنة سبعين . ولم يزل مشغوفا بذكره ، مستهترا بإشاعة نظمه ونثره ، والأمير العضد مرهف « 4 » ولد الأمير مؤيّد الدولة جليسه ، ونديمه وأنيسه ، فاستدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد جاوز الثمانين وكنت قد طالعت مذيّل السمعاني « 5 » ووجدته قد وصفه وقرّظه ، وأنشدني العامريّ « 6 » له بأصفهان من شعره ما حفظه ، وكنت أتمنّى أبدا لقياه ، وأشيم على البعد حياه ، حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين بدمشق وسألته عن مولده ، فقال : سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة « 7 » . وأنشدني لنفسه البيتين اللذين سارا له ، في قلع ضرسه « 8 » :
وصاحب لا أملّ الدّهر صحبته * يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
هامش
( 1 ) انظر ابن خلكان في تأريخ قدومه مصر .
( 2 ) انظر في التعريف به الهامش الثاني من الصفحة 187
( 3 ) بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر « بلدة فوق الموصل » من ديار بكر .
( 4 ) سيخصه العماد بالحديث فيما نستقبل من تراجم .
( 5 ) انظر في التعريف به الهامش الثالث من الصفحة 30
( 6 ) انظر في التعريف به الهامش الأول من الصفحة 79
( 7 ) في « ب » : سابع عشري جمادى الآخرة .
وما هنا عن ابن خلكان . ويضيف : قلت بقلعة شيزر ، وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة بدمشق رحمه اللّه تعالى ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون ودخلت تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي وقرأت عنده شيئا من القرآن وترحّمت عليه .
( 8 ) في ابن خلكان : ونقلت من خط الأمير أبي المظفر أسامة بن منقذ المذكور لنفسه وقد قلع ضرسه وقال :
عملتهما ونحن بظاهر خلاط « بلد بأرمينية » وهو معنى غريب ويصلح ان يكون لغزا في الضرس . ويورد أبو شامة في الروضتين « ج 1 ص 264 » أنه وجد هذين البيتين مع بيتين آخرين في ديوان ابن منير الطرابلسي ، ثم يوجه ذلك ويعلله . وقد جاء البيتان في الديوان وعند ابن عساكر وابن خلكان بروايات متقاربة .