تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خريدة القصر وجريدة العصر — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
فصرت من عقدهم ، وانتظمت في عقدهم ، فرأيت كلّا منهم قد حاول من هذا الأمر ما حاولت ، وتناول في تحصيله أكثر مما تناولت ، وأجمعت آراؤهم على ما رأيت ، ووافقت رواياتهم ما رويت . فلما اتفقت الشّهوات ، وزالت الشّبهات ، شرعنا في استدامة المدام ، وأتبعنا الليالي فيها والأيّام ، لا نفيق من صبوح وغبوق ، ولا نسأم من خلاعة وفسوق ، ما بين نغم أوتار ودلف راووق ، مستوطنين منزلا للخلوة ، وارتشاف القهوة . فاقتضى ما بيننا من اقتراح الألفة والتألّف ، واطّراح الكلفة والتكلّف ، أن قسمنا الأيام والليالي بيننا أقساما ، فكلّ يعدّ في نوبته للاجتماع طعاما ومداما ، ويعرّف يومه وليلته ، ويستعمل قدرته ، ويستنفد طاقته في إظهار الأفانين العجيبة . ويجمع بين آلات الطرب والطيبة « 1 » ، وساعاتنا بالسرور تمضي ، وأوقاتنا بالحبور تنقضي . ولم نزل على ذلك المنهاج ، متمازجين بأعدل المزاج ، حتى انتهت النّوبة إلى سيّد كريم من الجمع ، ألف حلو العطاء وما عرف مرّ المنع ، فنادى مناديه في نادينا ، يجمع « 2 » حاضرنا وبادينا : إليّ ، قدّموا الحضور إلى المنزل الرّحب ، وثقوا بالأهل والرّحب . فأجبنا المنادي ، وحللنا النادي ، وولجنا دارا قد دار على المكارم سورها ، وأجدّ بالجدّ العامر معمورها . فلمّا اطمأنّ بنا المكان ، وساعد الزمان والإمكان ، جاء غلام حسن القوام ، عذب الكلام ، كأنّه بدر التّمام ، ومصباح الظلام ، إذا رنا فالربيب « 3 » ينظر من عينيه ، والقضيب يهتز من عطفيه .
ما في الوجود له شكل يماثله * من البرية لا أنثى ولا ذكر
هامش
( 1 ) الطيبة : مصدر طاب ، ومؤنث الطيب ، وطيبة الخمر : أصفاها . ( 2 ) في الأصل : ومجمّع . ( 3 ) اللفظة لا تساعد المعنى .