زيارته تيمّنا وتبرّكا .
ولقد كان من أولياء اللّه الأبدال ؛ بل بلغ درجة القطب وأنارت كراماته إنارة الشهب . فحسده المشبّهون بأهل العلم ونسبوا إلى ذكره كلمات من مصنفاته لم يتصورها بالفهم فالتقطوها وأفردوها من تركيباتها وحملوها على ظواهرها في عباراتها ولم يستفسروا منه معناها ؛ ولم يأخذوا عنه مبناها .
وقبضه الوزير العلج وعجّل في ظلمه وجلد في حكمه وحمله مقيّدا إلى بغداد ليجد طريقا في استباحة دمه ويؤاخذه بجرمه . فلما أعيي عليه الحقّ ؛ أخذته العزّة باثم « 1 » الباطل وأعاده إلى همدان ؛ وكان « 2 » هو وأعوانه في أمره كاليهود في أمر عيسى حين ألحقوه لبوس موسى غير أنّ اللّه عصم نبيّه من الكفار وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم « 3 » ؛ وأبلى وليه بالفجّار فصلب ذلك الوزير الوازر للوزير ؛ وأملى اللّه لهم وأمهلهم وذلك ليلة الأربعاء السابع من جمادي الآخرة سنة خمس وعشرين وخمس مائة . ولمّا قدّم إلى الخشبة المنتصبة عانقها وقرأ : وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون « 4 » .
فما عبرت سنة على ذلك الوزير حتّى صلب ومثّل به وتبعه أعرابه في عطبه :
من برّ يوما برّ به * والدّهر لا يغترّ به
ولعين القضاة رحمه اللّه رسالة كتبها إلى اخوانه بنى جنسه من حبسه يبكي فيها على نفسه ؛ وهي غاية الاستعطاف ، قد جمع فيها كلّ وصف من الأوصاف ؛ وله رسائل في كلّ فنّ لا يتصوّر معانيها إلّا الراسخون في العلم الشامخون بقوّة الفهم . ومن شعره ما ذكره أبو الحسن البيهقي في الوشاح قوله :
أظمياء لا نابت رباك نوائب * وصينت مغان « 5 » كنت فيها وأربع
تحمّلت فيك الحتف والنجم جامح * وقد طويت منّي على الهمّ أضلع
فما خدع العينين بعدك منظر * ولا وطئ « 6 » الأجفان قبلك أدمع
وقوله :
أقول لنفسي وهي طالبة العلى * لك اللّه من طلّابة للعلى نفسا
هامش
( 1 ) . في نسخة ل : بالاثم الباطل .
( 2 ) . في الأصل ، ن : وكانوا هو وأعوانه .
( 3 ) . سورة النساء ، الآية 157 .
( 4 ) . الشعراء ، الآية 227 .
( 5 ) . في نسخة ق : معان .
( 6 ) . في نسخة ق : وطفين .