فقلت له ، لما لقيته :
ما كنت أشعر بأنّك تشعر « 18 » ، ولا علمت أنّك تنظم وتنثر .
فأنشدني شعرك ، لأدوّن في كتابي ذكرك . فللّه درّك ! أين درّك ؟
فأبى أن يقرّ ، ونبا عن أن يفرّ « 19 » ، فافتضضت عذرة عذره « 20 » ، واقتنصت الخطبة لبكر فكره « 21 » ، واقتضيت بدينه - مع دعوى الإعسار - علما بيساره ويسره « 22 » .
فأنشدني لنفسه :
بعثتم مع نسيم الرّيح نشركم * أكان قصدا لقلب الصّبّ ، أم عبثا ؟ « 23 »
فجاء يهدي عبيرا من شمائلكم ، * أهلا به ، وبمن أهدى ، ومن بعثا
فآه ! هل ترجع الأيّام . . تجمعنا ؟ * وآه ! نفثة مصدور بكم نفثا
فقلت له :
ما هذا إلا من بضاعة ، غير جديرة بإضاعة ، والمسك ، لا يتركه العرف الضّائع ضائعا « 24 » ، والرّوض المؤنق ما يزال بالوشائع شائعا « 25 » .
هامش
( 18 ) تشعر : تقول الشعر .
( 19 ) أي لم ينقد لكشف حاله . يقال : نبا السهم عن الهدف : لم يصبه ، ونبا عليه صاحبه : إذا لم ينقد له . وفرّ الأمر ، وعنه : بحثه ليكشفه ، وفرّ فلان :
جرّب واختبر ، قال الحجاج : « ولقد فررت عن ذكاء ، وفتّشت عن تجربة » .
( 20 ) العذرة : البكارة ، استعارها للعذر ، وافتضاضها : خرقها .
( 21 ) الخطبة ، بكسر الخاء ، والعامة تضمها ، وتقول أيضا « الخطوبة » .
( 22 ) اقتضيت : طلبت .
( 23 ) النشر : الرائحة الطيبة . الصب : العاشق .
( 24 ) العرف : الرائحة مطلقا ، وأكثر ما يستعمل في الطيبة منها . الضائع : الفائح .
( 25 ) المؤنق : المعجب بنضرته . الوشائع : جمع الوشيعة ، وهي كل لفيفة من القطن الموشع ، استعارها لزهر الروض .