وقرب من الأمل البعيد ، وسنّ الغناء لغير الغرّيد . وكم أوجف بالجبان « 1 » إلى مأقط الحرب العوان « 2 » ، فروّى حدّ السيف والسنان ، من دماء الثجعان . وكم أعاد جلمود اليد الصيخود « 3 » ، هاطل غمامة بالجود ، فهمت « 4 » لغير سائل وسحّت على غير شائم « 5 » . وكم رتسن « 6 » الجليد القرحان « 7 » بحبل الصبّابة والتّهيام . وكم أحدث سلوة للمعمود « 8 » وقد أعيت مداخله ، وكلّت لوّامه وعواذله . وكم استلّ سخيمة من ذي غمر « 9 » عجز عن مداراته الحجا ، وضعفت عن استرجاع ودّه الرّقى « 10 » . فما كان متصرّفا هذا التصرّف في « 11 » النّفوس والأخلاق ، فأكبر بشأنه ، وأعظم بمكانه ! » .
ومنها يصف حاله :
« وقد علم عصري وبنوه ، وزماني وأهلوه ، أنّي ابتدرت شعفات « 12 » الفضل غلاما يفعة « 13 » ، هاجرا « 14 » اليه كل خفض ودعة ، ففرعتها شامذ النطاق « 15 » ، مشمّرا عن
هامش
( 1 ) ط ، ب : « الجبان » بنزع الخافض ، وهو الصحيح . يقال : أوجف البعير والفرس إيجافا إذا حثهما ، وأوجف الذكر بلسانه أي حركه .
( 2 ) المأقط : الموضع الذي يقتتلون فيه ، وهو المأزق . والعوان : الحرب التي قوتل فيها مرة بعد أخرى ، وهي أشد الحروب .
( 3 ) الصيخود : الصخرة الصماء الراسية الشديدة الملساء لا تتحرك من مكانها ولا يعمل بها الحديد ، استعارها لليد البخيلة الشحيحة التي لا تندى بعطاء .
( 4 ) همى الدمع والماء يهمي هميا : سال لا يثنيه شيء .
( 5 ) الشائم : المتطلع ، يقال : شام البرق يشيمه شيما إذا نظر اليه أين يقصد وأين يمطر ، وشام مخايل الشيء : تطلع نحوه ببصره منتظرا له .
( 6 ) ارتسن : قيّد .
( 7 ) ط : « الفرحات » ، ب : « الفرحان » ، والأصل هو الصحيح .
( 8 ) المعمود : الذي هدّه العشق . وهي في ط : « للمعوذ » ، وفي ب : « للمعود » .
( 9 ) السخيمة والغمر : كلاهما الحقد .
( 10 ) الرقى : جمع رقية ، العوذة .
( 11 ) ط : « من » .
( 12 ) ط : « شغفات » بالغين المعجمة ، وانما هي الشعفات جمع شعفة ( محركة ) ، وهي رأس الجبل .
( 13 ) غلام يقعة ويفع ويافع : راهق العشرين .
( 14 ) ط : « هاجر » .
( 15 ) فرعتها : علوتها . الشامذ : الرافع .