حكى عنه أنه قال : بعث إلي شعراء القيروان حين مقامي بها ، وهم : ابن رشيق ، وابن شرف ، وابن حجاج ، وعبد اللّه العطار ، يسألوني أن أرسل إليهم شعري ، فقلت للرسول : إنه في مسوداته ، فقال : كما هو ، فأخذته ، وكتبت عليه ارتجالا ، ثم بعثت به :
خطبت بناتي فأرسلتهن * إليك عواطل من كل زينه
ليعلم أني ممن يجود * بمحض الوداد ويشنا ضنينه
فقل كيف كان ثناء الجليس * أضمخ بالمسك أم صب طينه
فأجابوني بهذه الأبيات :
أتتنا بناتك يرفلن في * ثياب من الوشي يفتن زينه
فلما سفرن فضحن الشموس * وسرب الظباء وأخجلن عينه
فلما نطقن سحرن العقول * وظل القرين ينادي قرينه
أفي بابل نحن أم في العراق * وفوق البسيطة أم في سفينة
فدعني أرقب صحو الجميع * لنسمع من كل مدح عيونه
وقرأت على أبي محمد بن عتاب غير مرة ، قال : أخبرني أبو عمرو ، وكتبه لي بخطه ، قال أنشدني أبو نعيم الحافظ ، قال : أنشدني أبو محمد الجابري ، قال : أنشدني ابن المعتز لنفسه :
ما عابني إلا الحسود * وتلك من خير المعائب
والخير والحساد مقرو * نان إن ذهبوا فذاهب
وإذا ملكت المجد لم * تملك مذمات الأقارب
وإذا فقدت الحاسدين * فقدت في الدنيا الأطايب
وذكر جماعة من علماء طليطلة أنهم سمعوا أبا عمرو السفاقسي يقول : رأيت محمد بن إسماعيل البخاري رحمه اللّه في النوم بفسا ، فقلت له : لم لم تخرج في كتابك عن حماد بن سلمة ؟
قال : فجعل يبتسم إلي ، فقلت له : من أجل حديث عكرمة ، فقال لي : وغيره .
قال أبو عمرو : وسمعت أبا نعيم الحافظ ، يقول : الإجازة على الإجازة قوية جائزة .
وحدث عن أبي عمرو علماء الأندلس قاطبة في كل بلد دخله من بلدانها ، وهو أول من أدخل كتاب « غريب الحديث » للخطابي الأندلسي .
وتوفي رحمه اللّه بعد سنة أربعين وأربعمائة .