فورد الري على هيئة المتصوفة وعليه مرقعة ، وليس معه شيء ينفقه على نفسه ، فدخل السوق لتحصيل القوت ، فرأى أن يطالع مقامات الناس ليتخذ ما هو أروح ، وكان يطالع واحدا بعد واحد ، حتى اطلع على شاب ظريف اتخذ مقاما على باب داره ، وقد اجتمع عليه خلق كثير فأرته امرأة تفسرة « 1 » فقال لها : هذه تفسرة يهودي ، فاعترفت وقالت : هي كما تقول . ثم قال : وقد تناول رائبا . فقالت : نعم . ثم قال : داركم في المدينة في موضع منخفض من الأرض ، فقالت : هي كذلك فتعجب الحكيم من ذلك ، فنظر الشاب إليه وقال : أنت أبو علي بن سينا ، هربت من علاء الدولة فاجلس ، فجلس بجنبه حتى فرغ الشاب من شأنه ، وأخذ بيده وأدخله داره ، وأمر حتى أدخل الحمام ، وألبسه ثيابا حسنة ، ودعابا ( لطعام فقال ) للشيخ أبي علي :
كيف تعرف من التفسرة أنها تفسرة يهودي فقال : رأيت في يدها قميصا عليه غيار « 2 » اليهود ، ورأيته ملوثا بشيء من الرائب ، فحدست أنه اشتهى الرائب وتناوله ، واليهود كلهم يسكنون المدينة الداخلة من بلدنا ، وجميع الدور في تلك المدينة في انخفاض . فقال له الشيخ وكيف عرفتني ؟ فقال الشاب : كنت أسمع بجمالك وحسن هيئتك وفطانتك ،
هامش
( 1 ) التفسرة بول يستدل به على حال المريض وعلته
( 2 ) الغيار علامة أهل الذمة كالزنار ونحوه وقيل علامة خاصة اليهود ( تاج العروس )