فلما فرغ الناتلى من تعليمه توجه تلقاء خوارزم قاصدا حضرة خوارزم شاه مأمون بن محمد مولى أمير المؤمنين . واشتغل أبو علي بتحصيل العلوم من الطبيعي والإلهي ، ونظر في النصوص والشروح ، وانفتحت عليه أبواب العلوم ، ثم رغب في علم الطب وتأمل الكتب المصنفة فيه . وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة فلا جرم صار فيه في مدة قليلة عديم المثيل ؛ فقيد القرين والنظير .
وفضلاء الطب يختلفون اليه ، ويقرءون عليه المعالجات المقتبسة من التجربة ، وهو مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد الفقيه .
فلما جاوز اثنتي عشرة سنة من مولده أقبل بعد ذلك سنة ونصف سنة على العلوم ، وأعاد قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة وفي هذه المدة ما نام ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغل في النهار بشيء سوى المطالعة ، وجمع بين يديه ظهورا من القراطيس ، وكل حجة ينظر فيها يثبت مقدماتها القياسية ، ويكتبها في تلك الظهور ، وراعى شرائط المقدمات وفضل ما هو منتج مما هو عقيم . وإذا تحير في مسألة وما ظفر فيها بالحد الأوسط تردد إلى الجامع وصلّى وابتهل إلى اللّه تعالى حتى يفتح اللّه تعالى له المنغلق منها . وكان يعود كل ليلة إلى داره ، ويضع السراج ويشتغل بالقراءة والكتابة . فإذا غلبه النوم أو ابتدره « 1 » ضعف مزاج شرب قدحا من النبيذ
هامش
( 1 ) في الأصل : أنذره