( 158 ) وقال محمد بن بكار :
كانت عندنا بمكّة امرأة عابدة ، لا تمرّ « 1 » بها ساعة إلّا وهي صارخة ، فقيل لها : إنّا لنراك على حال ما نرى غيرك عليها ، فإن كان بك داء عالجناك ؟ قال : فبكت . ثمّ قالت : ومن لي بعلاج هذا الدّاء ؟ وهل أقرح قلبي إلّا التّفكّر في نيل معالجته ، أوليس عجب لمثلي أن تكون حيّة بين أظهركم ! ؟ وفي قلبي من الاشتياق إلى ربّي مثل شعل النّار التي لا تطفأ ، حتّى أصير إلى الطّبيب الذي عنده برء دائي ، وشفاء قلبي الذي قد أنضجه طول الأحزان في هذه الدّار التي لا أجد لي فيها على البكاء مسعدا « 2 » .
* * *
( 159 ) وقال أبو بلال الأسود رحمه اللّه :
خرجت حاجّا ، فلمّا صرت في بعض الطّريق إذا أنا بامرأة ليس معها زاد ولا إداوة ، فقلت لها : من أين أنت ؟ قالت : من بلخ . فقلت : خرجت من بلخ ، وما أرى معك زادا ، ولا ما تحملين فيه الزّاد والماء ! فقالت : خرج معي من بلخ عشرة دراهم ، وقد بقي معي بعضها . فقلت لها : فإذا نفدت ، ما تصنعين ؟ فقالت : عليّ هذه الجبّة ، أبيعها ، وآخذ دونها ، وأنفق ما بين ذلك . قلت : فإذا فني ، فما تصنعين ؟ قالت : أبيع هذا الخمار ، وآخذ دونه ، وأنفق ما بين ذلك .
قلت : فإذا فني ، فما تصنعين ؟ قالت : يا رجل ، أسأله فيعطيني . فقلت لها : ألّا سألتيه قبل ذلك ؟ فقالت لي : ويحك ، إنّي أستحيي أن أسأله شيئا من الدّنيا ومعي فضل من عروضها . فقلت : اعتقبي هذا الحمار عقبة « 3 » .
فقالت : دعه . فتركته معها ، وتخلّفت لقضاء الحاجة ، فلمّا قضيت
هامش
( 1 ) في ( ب ) : فكانت لا تمرّ .
( 2 ) مسعدا : معينا . أسعده على الشيء أعانه ، ولا يقال إلّا في البكاء . متن اللغة . وفي ( أ ) : على البقاء مسعدا .
والخبر في صفة الصفوة 2 / 281 ، والمختار 5 / 481 .
( 3 ) العقبة : النوبة .