درهم إن شاء اللّه ، وأنا أخطبك من نفسك ، وقد بذلت لك من الصّداق مئة ألف ، وأنا مصيّر إليك بعد ذلك أمثالها ، فأجيبيني .
فكتبت إليه :
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، أما بعد : فإنّ الزّهد في الدّنيا يريح القلب والبدن ، والرّغبة فيها تورث الهمّ والحزن ، وإذا أتاك كتابي هذا فهيّئ زادك ، وقدّم لمعادك ، وكن وصيّ نفسك ، ولا تجعل وصيّك غيرك ، وصم دهرك ، واجعل الموت فطرك ، فما يسرّني أنّ اللّه خوّلني أضعاف ما خوّلك ، ويشغلني عنه « 1 » طرفة عين ، والسّلام « 2 » .
* * *
( 157 ) وقيل لأبي العالية الرّياحي رحمه اللّه :
ما يفتح الفكرة ؟ فقال :
اجتماع الهمّ ، فإنّه إذا همّ فكّر ، وإذا فكّر « 3 » أبصر ، وإذا أبصر اعتبر ، ألا إنّه إذا تمّت رغبة العبد نفذت فكرته ، فإذا نفذت فكرته ، فتحت له أبواب السّداد « 4 » ، فكان يتنقّل في العمل ، ويعرف الشّيء بقلبه ، فإذا كان كذلك أخرجه ذلك إلى التّعظيم للّه ، فإذا كان كذلك زاده اللّه . فقيل له : يا أبا العالية ، وما زيادة اللّه عزّ وجلّ ؟ قال : البرّ ، واللّين ، والخشوع ، والتّواضع ، فإذا كان كذلك سقاه اللّه من حبّه شربة فيها يعطى تفكّر ساعة عبادة شهر ، إن صاحب الدّين إذا تفكّر علته السّكينة وسكن ، فتواضع ورضي فلم يغتمّ ، وخلّى الدّنيا ، فنجا « 5 » عن الشّرّ ، وترك الشّهوات ، فصار حرّا ، وترك الحسد ، فظهرت له المحبّة ، وانفرد ، فكفي ، وسلت نفسه عن كل فان .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : ويشغلني بك عنه .
( 2 ) وفيات الأعيان 2 / 286 ، المختار 5 / 255 .
( 3 ) في ( أ ) : فإذا هم أفكر وإذا أفكر .
( 4 ) في ( أ ) : أبواب السدد .
( 5 ) في ( أ ) : فتنحّى عن الشر .